تعليمات
عبد الله المجالي
أثار أمين عام وزارة البلديات سابقا المهندس أحمد الغزو نقطة غاية في الأهمية فيما يتعلق بمشروع قانون الإدارة المحلية الذي أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب.
ورغم أن عديدين أشاروا إلى تلك النقطة، إلا أن الإشارة إليها بهذه الصراحة والقوة من مسؤول كبير في الوزارة لها وقع آخر، خصوصا وأن ذلك المنصب الذي تقلده الغزو مشارك رئيسي في صياغة وإصدار تلك الأنظمة والتعليمات.
يقول السيد الغزو إن هناك اتجاها واسعا نحو “إحالة عدد من المسائل الجوهرية إلى أنظمة وتعليمات تصدر لاحقاً، رغم ارتباطها المباشر بالحوكمة المحلية، وإدارة المال العام، والتمثيل الديمقراطي، وتوزيع الصلاحيات، والمشاركة المجتمعية، وتنظيم الهياكل والهيئات المحلية”.
يضرب الغزو في مقال نشره موقع “عمون” العديد من الأمثلة على تلك المسائل الجوهرية، منها ” الأحكام المتعلقة باللجان الدائمة والمؤقتة، وصلاحيات الاستثمار والشراكة، وصلاحيات رئيس البلدية، وآليات تعيين المدير التنفيذي واختصاصاته، والشراكات البلدية، وتنظيم أعمال المجالس والهيئات المحلية، قد أُحيلت بدرجات متفاوتة إلى أنظمة وتعليمات لاحقة، رغم ما لهذه الموضوعات من أثر مباشر على إدارة الشأن المحلي والرقابة على الموارد العامة”.
بالنسبة للسيد الغزو فإن المسألة لا تتعلق بمبدأ الإحالة ذاته، فهذا أمر معروف وشائع في القوانين، لكن في “اتساع نطاقه في موضوعات كان من الملائم أن يتضمن القانون بشأنها الحد الأدنى من الأصول والضمانات العامة، بحيث تبقى الأنظمة والتعليمات أداة لاستكمال التنفيذ لا بديلاً عن الإطار التشريعي الذي رسمه القانون”. ويضيف: “إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود الأنظمة والتعليمات، بل في مدى اتساع المساحة التي تركها القانون لها. فحين تتعلق المسألة بالحوكمة المحلية أو إدارة المال العام أو تنظيم السلطات والصلاحيات أو أسس التمثيل والمشاركة، فإن القانون يكون مطالباً بوضع الأطر العامة والضمانات الأساسية بصورة واضحة ومباشرة، مع ترك التفاصيل التنفيذية لما دون ذلك من أدوات تشريعية”.
على أهمية النقطة التي يثيرها السيد الغزو في مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أنها، في رأيي، تعكس سلوكا راسخا لدى السلطة التنفيذية عنوانه محاولة التحكم في كل شيء وعدم ترك أي أمر للصدفة أو لما يسمى بالإرادة الشعبية.
وغني عن القول إن الذي يضع تلك التعليمات والأنظمة هي السلطة التنفيذية، ولذلك فهي محاولة لتفريغ تلك القوانين من محتواها، ومحاولة ضبطها والسيطرة عليها.
وعلى الرغم من أن هدف التعليمات والأنظمة، قانونيا، هو استكمال تطبيق القوانين وترجمة أحكامها إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، لكن التطبيق العملي يشير أحيانا إلى محاولة تلك الأنظمة والتعليمات تقييد أو توسيع صلاحيات بحسب ما تراه الجهة التي تصدر تلك الأنظمة والتعليمات، والخطورة هنا هي أن الأنظمة والتعليمات لا سلطة للسلطة التشريعية عليها، فهي تصدر من دون موافقتها أو المرور عليها.
إذا فالمشكلة أعمق من مشكلة مشروع قانون الإدارة المحلية، إنها مشكلة عدم الثقة بالإرادة الشعبية، وإذا أردنا أن نتحدث بحسن نية، فهي تشبه مشكلة الأب الذي لا يثق في خيارات ابنه الصغير، فهو لا يعرف مصلحته، فيحاول أن يختار له كل شيء حتى وهو يتحايل عليه ويقنعه بأنه هو الذي يختار.