لماذا قد تتحول الحرب البرية في إيران إلى مأزق استراتيجي لأمريكا؟
السبيل – خاص
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية؛ يعود الحديث مجدداً عن احتمالات الانخراط الأمريكي في مواجهة مباشرة مع إيران، بما في ذلك سيناريو العملية البرية. غير أن القراءة العسكرية الدقيقة تشير إلى أن هذا الخيار، رغم تفوق واشنطن النوعي، قد يفتح الباب أمام تعقيدات ميدانية واستراتيجية تجعل منه مغامرة عالية الكلفة، وربما فخاً يصعب الخروج منه.
اختلال ميزان الانتشار لا القوة
على خلاف ما قد يوحي به التفوق العسكري الأمريكي، فإن العامل الحاسم في أي غزو بري ليس فقط نوعية القوات، بل حجمها وانتشارها واستدامة إمداداتها. التجربة الأمريكية في غزو العراق عام 2003 تُظهر أن السيطرة على دولة أصغر سكاناً ومساحةً تطلبت حشداً عسكرياً ضخماً ومنسقاً.
أما في الحالة الإيرانية، فالمشهد مختلف جذرياً. فإيران تمتلك عمقاً جغرافياً واسعاً، وتضاريس معقدة، وكثافة سكانية أكبر بكثير، ما يرفع بشكل كبير من متطلبات أي عملية غزو. في المقابل، تبدو القوات الأمريكية المنتشرة حالياً في المنطقة محدودة ومجزأة، ولا ترقى إلى مستوى تشكيل قوة غزو شاملة، بل أقرب إلى وحدات تدخل سريع أو عمليات خاصة.
حلفاء محدودون… وأولويات متضاربة
أي عملية برية واسعة تحتاج إلى غطاء تحالفي قوي، وهو ما يبدو غائباً أو على الأقل غير مكتمل. فـ”إسرائيل” منشغلة بجبهات أخرى، ولا تبدو مستعدة لتحمل كلفة بشرية في حرب تخدم بالدرجة الأولى المصالح الأمريكية.
أما الدول الخليجية، وعلى رأسها الإمارات، فرغم امتلاكها قدرات عسكرية متطورة نسبياً، فإن انخراطها المباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران يحمل مخاطر استراتيجية طويلة الأمد، قد تفوق المكاسب الآنية.
تفوق نوعي… لكن بشروط
لا جدال في أن الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق واضح في مجالين أساسيين:
أولاً، القدرة على تقديم دعم جوي كثيف ودقيق، قادر على إحداث تأثير كبير في ساحة المعركة.
وثانياً، الكفاءة القتالية الفردية العالية لجنودها، والتي انعكست في تجارب سابقة بنسب خسائر منخفضة مقارنة بالخصوم.
لكن هذا التفوق يظل مشروطاً بطبيعة المعركة. ففي مواجهة جيش نظامي يمتلك خبرة، ويقاتل على أرضه، وضمن بيئة جغرافية صعبة، تتآكل هذه المزايا تدريجياً، خاصة إذا تحولت الحرب إلى استنزاف طويل.
خيارات ميدانية ضيقة
السيناريوهات المحتملة لأي تحرك بري تبدو محدودة ومقيدة:
– العمل في المناطق الجبلية شمال غرب إيران: وهو خيار يتيح الضغط التكتيكي، لكنه لا يحقق حسمًا استراتيجياً.
– الرهان على جماعات محلية في الجنوب الشرقي: وهو مسار محفوف بالمخاطر سياسياً، وغير مضمون النتائج ميدانياً.
– تنفيذ عمليات نوعية ضد منشآت حساسة: وهي عملية عالية الخطورة بسبب الدفاعات الجوية والصاروخية الإيرانية.
– التركيز على الجزر في الخليج: وهو الخيار الأكثر واقعية من حيث الإمكانات، لكنه لا يخلو من تحديات كبيرة، فالقوات التي تسيطر على هذه الجزر ستجد نفسها عرضة لهجمات مستمرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يحولها إلى نقاط استنزاف دائمة. كما أن غياب عنصر المفاجأة سيجعل أي عملية إنزال مكلفة منذ لحظاتها الأولى.
يبدو التهديد الأكبر لا يكمن فقط في الميدان، بل في ما بعده. فكل خطوة تصعيدية ستضع صانع القرار الأمريكي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما توسيع نطاق الحرب وتحمل كلفتها المتزايدة، أو التراجع بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واستراتيجية على صورة الولايات المتحدة ونفوذها.
والمشكلة الجوهرية في أي عملية برية ضد إيران أنها تفتقر إلى “نقطة نهاية” واضحة. فحتى في حال تحقيق نجاحات ميدانية محدودة، لن يكون من السهل ترجمتها إلى نصر استراتيجي حاسم. في المقابل، تمتلك إيران القدرة على امتصاص الضربات، وإطالة أمد الصراع، وتحويله إلى حرب استنزاف.
ورغم التفوق العسكري الأمريكي؛ إلا أن البيئة العملياتية في إيران، إلى جانب محدودية الخيارات الميدانية، وضعف الغطاء التحالفي، تجعل من سيناريو العملية البرية خياراً محفوفاً بالمخاطر. وفي ظل غياب استراتيجية خروج واضحة؛ قد تتحول هذه العملية من استعراض للقوة إلى اختبار قاسٍ للقدرة على التحمل.. وربما إلى فخ استراتيجي يصعب الإفلات منه.