لماذا تجاهل البرلمان الأوروبي قرارات الكابينت الأخيرة؟
السبيل – خاص
في خطوة أثارت انتقادات داخلية وخارجية؛ تجاهل البرلمان الأوروبي طلباً قدّمه تحالف اليسار لإدراج قرار الاحتلال الإسرائيلي توسيع سيطرته على الضفة الغربية على جدول أعماله، رغم المطالبة بمناقشته بشكل عاجل.
وجاء هذا التجاهل في وقت يناقش فيه البرلمان الأوروبي قضايا انتهاكات وملفات سياسية في دول أخرى، ما أعاد إلى الواجهة سؤال ازدواجية المعايير الأوروبية حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) قد أقر مؤخراً جملة قرارات خطيرة تستهدف إحداث تغييرات جوهرية في الواقع القانوني والإداري للضفة الغربية المحتلة، في إطار سياسة الضم الزاحف التي ينفذها الاحتلال منذ سنوات.
وشملت هذه القرارات إلغاء قوانين كانت تحظر بيع الأراضي الفلسطينية، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، ونقل صلاحيات مدنية من السلطة الفلسطينية إلى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال، إضافة إلى توسيع صلاحيات الهدم والمصادرة حتى في مناطق مصنفة (أ) و(ب).
ازدواجية فاضحة
ويعكس رفض البرلمان الأوروبي فتح نقاش حول قرارات الاحتلال خياراً سياسياً واعياً، لا مجرد إهمال إجرائي. فالبرلمان الذي لا يتردد في إدانة انتهاكات في دول بعيدة، يعجز عن مناقشة إجراءات احتلال عسكري استيطاني تُنفذ على مرأى العالم.
ويندرج هذا الصمت ضمن نمط أوروبي قديم في التعامل مع الاحتلال بوصفه “حالة استثنائية” خارج منطق المحاسبة. وعندما يتعلق الأمر بفلسطين، تعلّق المبادئ، وتُستبدل الإدانة الواضحة بلغة القلق والدعوات العامة.
كما أن تلاقي مواقف قوى سياسية متباينة داخل البرلمان على رفض النقاش يكشف وجود توافق غير معلن على تحييد القضية الفلسطينية، خشية الاصطدام بلوبيات داعمة للاحتلال أو بمصالح سياسية أوسع.
الضم الزاحف بلا أقنعة
وشكّلت قرارات الكابينت الأخيرة تصعيداً نوعياً في سياسة الاحتلال، إذ شملت إلغاء قوانين كانت تمنع بيع الأراضي الفلسطينية، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، ونقل صلاحيات ترخيص وبناء من جهات فلسطينية إلى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال.
وتمثّل الأخطر في توسيع صلاحيات الهدم والمصادرة لتشمل مناطق مصنفة (أ) و(ب) والتي يُفترض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو. ما يعني عملياً نسف الاتفاق من مضمونه، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري بلا سيادة.
ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن مشروع الضم، حتى وإن لم يُعلن رسمياً. فهي تؤسس لسيطرة قانونية وإدارية شاملة، تُفرض بهدوء وتحت غطاء الصمت الدولي.
الهروب الأوروبي من الاعتراف بالحقيقة
ويدرك البرلمان الأوروبي أن مناقشة هذه القرارات تعني الإقرار بانهيار حل الدولتين، وهو ما تحاول أوروبا تجنبه منذ سنوات. فالاعتراف بهذه الحقيقة يستدعي مراجعة شاملة للسياسات الأوروبية تجاه الاحتلال، بما في ذلك اتفاقيات الشراكة والدعم السياسي.
كما تخشى عواصم أوروبية من أن فتح الملف قد يؤدي إلى تصاعد ضغوط شعبية تطالب بعقوبات أو إجراءات ملموسة، وهو ما لا ترغب به في ظل المصالح الأمنية والاقتصادية مع الاحتلال.
وفوق ذلك؛ فإن أي نقاش جدي سيمنح الرواية الفلسطينية، ورواية المقاومة تحديداً، مساحة أوسع في الخطاب الأوروبي، عبر توصيف ما يجري باعتباره استعماراً استيطانياً يواجه مقاومة مشروعة، لا “نزاعاً” متكافئاً.
إن تجاهل البرلمان الأوروبي لقرار الاحتلال توسيع سيطرته على الضفة الغربية يعكس انحيازاً بنيوياً، أو في الحد الأدنى عجزاً سياسياً عن مواجهة الحقيقة. فبين ازدواجية المعايير، والخوف من الاعتراف بانهيار حل الدولتين، والقلق من صعود خطاب المقاومة؛ اختارت أوروبا الصمت.
ووفق مراقبين؛ فإن هذا الصمت يمنح الاحتلال مزيداً من الوقت لفرض وقائعه، فيما يواصل الشعب الفلسطيني مقاومته دفاعاً عن الأرض والوجود، غير معوّل على مؤسسات دولية أثبتت عجزها أو انحيازها.