غزة تغرق وحدها تحت المطر.. والعالم يكتفي بالمشاهدة
السبيل – خاص
في هذا الشتاء؛ يبدو أن الخيمة الغارقة في الطين أكثر نطقاً من كل منابر العالم.. وحدها تصرخ، بينما الأرض ترتجف تحت المطر، والبرد ينهش أجساد الأطفال، كأنه عقابٌ لا يعرفون سببه.
في غزة؛ المنخفض الجوي ليس مجرد ظاهرة طبيعية بتقدير الله تعالى.. إنه فصلٌ جديد من مأساة ممتدة، تتساقط فيه الأمطار على خيام متهالكة، فتفضح صمتاً عالمياً ثقيلاً، عربياً كان أم إسلامياً، لا يقل وطأة عن الرياح العاصفة.
مع كل قطرة مطر تهوي على القطاع؛ يتداعى المشهد الإنساني أكثر. أكثر من 1.5 مليون نازح يتوزعون في مخيمات بلا بنية تحتية، وخيام صنع بعضها من قماش تالف خرج من تحت النار أكثر من مرة. ومع أن 93 بالمئة من خيام غزة لم تعد صالحة للسكن، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخول البدائل، متجاهلاً اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، وكأن حياة الناس ليست بنداً في أي اتفاق!
ومع اشتداد المنخفض؛ غرقت الخيام، وارتفعت صرخات الاستغاثة. لكن خارج غزة؛ كانت الأصوات خافتة، أو مجاملة، أو مشغولة ببيانات رتيبة لا توقف برداً ولا تُقيم مأوى.
الأمم المتحدة نفسها أعلنت أن الأمطار “ستكون لها تداعيات كارثية على النازحين”، لكن التحذير بقي معلّقاً في الهواء، حيث كل شيء ينتظر إذناً من الاحتلال، حتى المأوى والدفء.
دعوات حركة “حماس” للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بالتدخل لإنهاء المأساة ليست جديدة، لكنها تزداد مرارةً كلما ازداد الطين الذي يغمر أرجل الأطفال.. الحركة تطلب موقفاً فعلياً، يستند إلى مواثيق ووعود قديمة، لكن الواقع يكشف أن الشتاء أسرع فعلاً من الدبلوماسية، وأن المياه التي تقتحم الخيام أكثر حضوراً من أي تحرّك عربي.
فالبيانات العربية لا يمكن استخدامها كحطب، ولا تصلح لتسقيف خيمة، ولا تمنع الأمطار من السقوط على أم رؤيتها الوحيدة لابنها ألا يستيقظ مرتجفاً في منتصف الليل.
أما العالم الواسع الذي يرفع شعار الإنسانية؛ فيبدو وكأنه ينظر إلى غزة من وراء زجاج سميك، يسمع الصوت ولا يتحسس الوجع. تتسرب الأخبار عن الغرق والمطر والبرد، والأطفال الذين يفترشون الأرض، ولا تتحرك سوى بعض المنظمات الدولية التي تصطدم بجدار المنع الإسرائيلي.. هناك فقط صمتٌ يشبه التواطؤ، وعجزٌ يقترب من التجاهل.
ومع غياب البدائل وضياع المأوى؛ يقف النازحون أمام كارثة لا يملكون صدّها. فالبنية التحتية مدمرة بنسبة 90 بالمئة، والخسائر تجاوزت 70 مليار دولار.. المطر لا يجد سقفاً فوق رؤوس الناس فينزل مباشرة على أطفالهم، على تعبهم، على خوفهم، كأنه يختبر قدرة البشر على الاحتمال.
وبينما يتكوم الناس فوق بعضهم في خيام غارقة؛ يبدو أن السؤال الحقيقي ليس عن المنخفض الجوي، إنما عن المنخفض الأخلاقي الذي يطوّق العالم كله.
هذا الشتاء ليس الأول الذي يمر على غزة منذ الحرب في 7 أكتوبر 2023، لكنه الأكثر قسوة؛ لأنه يأتي بعد حرب أبادة استمرت عامين، وانتهت نظرياً بوقف إطلاق نار، بينما ظلت آثارها تنهش الحياة اليومية للناس.
وفي مواجهة هذا البرد؛ يبدو العالم منشغلاً بما هو أقل، والعرب مشغولون بما هو أبعد، والمسلمون يراقبون من بعيد، تاركين غزة تحت المطر، تواجه وحدها المنخفض والاحتلال، وتكمل سردية الصمود التي لم يكتبها أحدُ نيابة عنهم.
في النهاية؛ تبقى غزة وحدها في وجه العاصفة.. لكنها الوحيدة أيضاً التي لم يسقط صوتها بعد.