ماذا وراء جولة لاريجاني واحياء مفاوضات غزة المفاجئ ؟
هل يعكس الحراك الدبلوماسي النشط لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، تجاه بغداد وبيروت، تعافي طهران من آثار الحرب مع الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة في حزيران / يونيو الماضي، وتخليها عن سياسة الانكفاء إلى الداخل؟ أم أنها مجرد مناورة تفاوضية تستبق جولة جديدة من المفاوضات مع واشنطن والترويكا الأوروبية (إنجلترا وفرنسا وألمانيا)؟
أم أنها محاولة لإعادة التموضع السياسي والعسكري استعدادًا للحرب المقبلة مع الكيان الإسرائيلي، والتي تبشر بها المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بين الحين والآخر، على لسان مسؤوليها، كان آخرهم وزير الأمن، يسرائيل كاتس، الذي حذر المرشد الأعلى، علي خامنئي، من الاغتيال، بالقول: “إن مشاركي العرس الأحمر بانتظار خامنئي عندما يخرج من المخبأ”، وذلك تعليقًا على نشر طهران قائمة بأسماء المسؤولين الإسرائيليين المهددين بالاغتيال والتصفية من قبل طهران.
تحضيرات تؤكدها مصادر متعددة عن جهود مضنية يبذلها قادة الكيان الإسرائيلي لإقناع واشنطن بالانخراط في الحرب مجددًا، كان آخرها ما كشفته “تريتا فارسي”، نائبة رئيس “معهد كوينسي للحكم الرشيد”، ومقره في واشنطن، بأن الحرب الثانية بين إيران والكيان الإسرائيلي قادمة وحتمية، بل وقريبة جدًا نهاية آب / أغسطس الحالي، وفي حد أقصاه كانون الأول / ديسمبر المقبل، وذلك في مقال نشرته تريتا في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية “Foreign Affairs” يوم أمس، تحت عنوان: (الحرب التالية بين إيران وإسرائيل قادمة) The Next Israel–Iran War Is Coming.
طهران تتعامل مع المؤشرات والتهديدات الأمريكية الإسرائيلية بجدية، إذ لا تعوّل على وقف إطلاق النار أو المفاوضات النووية المتعثرة، فقد سارعت، ومن اليوم الأول من وقف إطلاق النار، لاستكمال ملاحقة شبكات التجسس الإسرائيلية وتفكيكها، وفي الآن ذاته، أرسلت وزير دفاعها، الجنرال عزيز نصير زاده، إلى بكين للتفاوض على صفقات سلاح، خلال اجتماع وزراء دفاع دول منظمة شنغهاي للتعاون في بكين نهاية حزيران الماضي، تضمنت منظومات دفاع جوي من طراز HQ-9B وHQ-22، وطائرات مقاتلة من طراز J-10C. وفي الآن ذاته، سارعت طهران إلى استبدال نظام جي بي إس (GPS) الأمريكي بنظام بايدو (BeiDou) الصيني وغلوناس (GLONASS) الروسي، كما تسلمت من موسكو منظومة S-400 للدفاع الجوي، وقامت بتفعيلها وتجربتها بالقرب من مدينة أصفهان في تموز / يوليو الفائت.
المؤشرات على الربط قوية، فالجبهات لا زالت مفتوحة: في لبنان، ينشط جيش الاحتلال الإسرائيلي والدبلوماسية الأمريكية لتهيئة ميدان المعركة لجولة جديدة، من خلال إضعاف مقدرات حزب الله وتحييده وتقييد حركته في حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة مع طهران.
وفي العراق، تدور معركة في الخفاء شمال العراق، فيما يعرف بكردستان العراق، إذ تخوض الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي وحلفاؤهم معركة استخبارية وعسكرية، بالتوازي مع معركة دبلوماسية عنوانها “الحشد الشعبي”. وهي نشاطات قابلتها طهران مؤخرًا بتحرك سياسي موازٍ للتحركات الأمنية، بإرسال علي لاريجاني إلى العاصمة بغداد، وتوقيع اتفاق أمني مع الجانب العراقي، الهدف منه، بحسب لاريجاني، “منع أي جهة أو دولة من زعزعة أمن أحد البلدين”. وهي زيارة سيتبعها زيارة مماثلة إلى العاصمة اللبنانية، بيروت، حيث تفردت واشنطن وإسرائيل بالمشهد الدبلوماسي والعسكري دون منازع على مدى ثمانية أشهر.
التحضيرات للحرب لا تقتصر على الجبهة العراقية واللبنانية، بل تشمل أيضًا الجبهة اليمنية، حيث تنشط الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية لجمع المعلومات وتحقيق اختراقات عميقة لبنية حركة أنصار الله، عبر إنشاء وحدات تجسس تعتمد على العنصر البشري، وهو تحدٍّ لم يتمكن الاحتلال من تجاوزه بعد.
من ناحية أخرى، لم تغب الجبهة السورية عن المشهد، إذ ينشط الاحتلال الإسرائيلي والدبلوماسية الأمريكية لاحتواء مؤقت لدمشق، إلى حين كسر ميزان القوى على نحو حاسم مع طهران، والتفرغ لتركيا، حليفة دمشق الأبرز في المرحلة الحالية.
الاستعدادات للحرب واضحة للعيان، تفوق في أهميتها وقيمتها ووزنها الاستعدادات للسلام والتفاوض. وهنا تبرز جبهة قطاع غزة باعتبارها الجبهة الأكثر إحراجًا للاحتلال، وهي جبهة لا زالت عصيّة على الحسم، وعلى نحو يهدد بانهيار السردية الإسرائيلية، وإضعاف التحالفات والشراكات الأمريكية التي تعول عليها واشنطن والكيان للمضي قدمًا في حربهم على إيران.
فهل يندفع الاحتلال نحو حسم مستحيل في غزة، وهو ما تؤكده القيادة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية؟ أم يذهب نتنياهو مؤقتًا إلى صفقة تنهي القتال وتحافظ على حرية حركة جيشه في المستقبل، وفقًا لرؤية رئيس الأركان، إيال زامير؟
ختامًا… المعضلة الغزاوية حاضرة في الحرب، ولعل التصعيد الإسرائيلي الأمريكي في غزة مطلع آب / أغسطس الحالي، ما هو إلا انعكاس لهذه الرغبة الأمريكية الإسرائيلية بإعادة التموضع والاستعداد للحرب. فهي شرط أمريكي أساسي للمشاركة الفاعلة في الحرب المقبلة على إيران، يساعدها على التموضع، وبناء الشراكات، وتفعيل التحالفات في المنطقة، بخفض مستوى المخاطرة.
متغير تجاهلته الباحثة الامريكية من أصول إيرانية في مقالها “الحرب التالية بين ايران واسرائيل قادمة”.