الأردن والخطر القادم من الشمال
برغم أن الأردن بجغرافيته الصغيرة وإنسانه الكبير ظل يواجه المخاطر والتحديات منذ نشأته في عام 1921، إلا أنه اليوم يقف على مفترق طرق استراتيجي يتطلب مقاربة تساعده على الإبحار في هذا البحر المتلاطم الأمواج.
صحيح أن الأردن كان دوما في صلب المخططات الصهيونية، إلا أن تلك المخططات لم تصل يوما إلى أن توضع موضع التطبيق كما هي عليه اليوم، وما يجري في جنوب الجارة الشمالية ليس معزولا عن تلك المخططات الشريرة.
ومن هنا فإن ما يحدث في جنوب الجارة الشمالية سوريا هو بمثابة شأن داخلي أردني، وتأثيره على الأمن القومي الأردني لا يقل عن تأثير ما يجري في الضفة الغربية على أمننا القومي.
الحكومة تدرك ذلك، وهي قد انخرطت في معالجة أزمة السويداء بالتعاون مع تركيا التي تشعر هي الأخرى بالخطر من التمدد الصهيوني، لكن ما يقلقنا هو وجود العنصر الأمريكي، الذي وإن أبدى موقفا واضحا من وحدة سوريا، إلا أن الخطورة تكمن في ضعف الموقف الأمريكي عندما يتعلق الأمر بحليفه الاستراتيجي؛ الكيان الصهيوني، خصوصا وأن الأمريكان يتبنون مبدأ “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها”!! وهو مبدأ مطاط وفضفاض ويمكن أن يندرج تحته حتى احتلال الجنوب السوري وتكوين دويلة للدروز هناك، ناهيك عن اعترافهم بضم الكيان لهضبة الجولان.
موقف الأردن واضح مما يجري في جنوب سوريا، وقد عبر عنه الملك عبد الله الثاني ووزير الخارجية أيمن الصفدي أكثر من مرة وهو دعم الأردن لأمن سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها، بما يضمن سيادتها وسلامة مواطنيها، ورفض أي تدخلات خارجية في الشأن السوري لا سيما التدخلات الصهيونية.
لكن الخشية هنا هو أن التعبير عن الموقف وحده لا يكفي، وقد جربنا ذلك في فلسطين، حيث إن المواقف الواضحة مما يجري هناك لم تمنع الكيان من التغول والتعمق في تهويد المقدسات في القدس والضفة الغربية، ولم تمنع من استمرار حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة.
لذا فإن ذلك يستدعي من الأردن “عدم الاكتفاء بإدانات رسمية محدودة التأثير أو انكفاء سياسي، بل الانخراط في تحرك دبلوماسي وأمني يعيد الاعتبارات السورية على أرضها أمام التوجهات الإسرائيلية، ويمنع تحول الجنوب السوري إلى بوابة تهديد دائم للأمن الوطني الأردني”، بحسب تقرير لمعهد السياسة والمجتمع، ويضيف: “الأردن بحاجة ملحة إلى إحياء شبكة علاقاته التاريخية مع جنوب سوريا، وإعادة تموضعه في المعادلة السورية من موقع المبادرة لا الترقّب، تجنبًا لأن يصبح مجرد متلقٍ لانعكاسات الأزمة دون أدوات تأثير فعالة” و”التحشيد لموقف إقليمي داعم للمقاربة الأردنية، بحيث تُشرك الأطراف العربية المؤثرة، مثل السعودية وقطر، سيمنح الدور الأردني بعدًا عربيًا جامعًا، وقد ينجح في منع إسرائيل من الاستفراد في الجنوب أو استثمار التطورات في بناء كيان طائفي يتصل بها وظيفيًا.