أنس الشريف.. الصوت الذي أطفأه ليل الحرب
السبيل – خاص
كان الليل قد أسدل ستاره الثقيل على مدينة غزة، يقطعه أزيز الطائرات الإسرائيلية وصوت الطائرات المسيرة التي تراقب كل حركة.
في خيمة صغيرة قرب مستشفى الشفاء؛ جلس مراسل “الجزيرة” أنس الشريف مع فريقه المكوّن من خمسة صحفيين ومصورين، تحيط بهم معدات التصوير وكابلات الكهرباء الممدودة على الأرض، وضوء مصباح يتيم يتأرجح من سقف الخيمة، يرسم على وجوههم ظلالاً متكسرة، وكأن الحرب تلاحقهم حتى في الضوء.
في الخارج؛ يمر بعض الأطباء مسرعين نحو قسم الطوارئ، وأصوات بكاء خافتة تتسلل من بين جموع النازحين الذين اتخذوا من أروقة المستشفى مأوى لهم.
داخل الخيمة؛ يحاول الصحفيون أن يسرقوا لحظات من الهدوء وسط هذا الضجيج الموحش، يراجعون لقطات النهار، ويتناقشون حول خطة التغطية القادمة.. كان أنس، بابتسامته الهادئة، يقلب في دفتر ملاحظاته، ويتبادل الحديث مع فريق التصوير، وكأنه يتأكد أن ما سيرويه على الشاشة قادر على إيصال الحقيقة بلا نقصان.
همس لزميله الجالس إلى جانبه: “في كل مرة نوثق كلمة أو صورة؛ نمنح هذه الأرض ذاكرة، والذاكرة أقوى من الرصاص”.
لم يكن يعلم أن ذاكرته هو، وصوته، وصورته؛ ستصبح بعد دقائق جزءاً من أرشيف الدم الذي يوثق هذه الحرب.
في تمام الساعة التي انشغلوا فيها بترتيب معداتهم، دوّى صفير حاد اخترق الليل، لحظة قصيرة فصلت بين الصفير والوميض، ثم انفجار هائل جعل الخيمة تتطاير شظايا قماش وخشب وحديد.. ارتجت الأرض، وسقطت الكاميرات، وانطفأ المصباح المتأرجح، وغرقت الخيمة في عتمة كثيفة امتزجت برائحة البارود والدخان.
قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن أنس وخمسة من أعضاء فريقه قُتلوا في قصف متعمد نفذه الاحتلال “مع سبق الإصرار والترصد”، مؤكداً أن هذه الجريمة رفعت حصيلة قتلى الصحفيين في القطاع إلى 237 منذ بدء الإبادة الجماعية في 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، ومضيفا أن الاستهداف جاء في إطار سياسة واضحة لإسكات الشهود على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ولطمس ما تبقى من ملامح الحقيقة.
أنس، الذي قضى سنوات في نقل المآسي بالصوت والصورة، وقف أمام الكاميرا في الأزقة المدمرة، والمدارس التي تحولت ملاجئ، والمستشفيات التي ضاقت بجرحاها، ليمنح العالم نافذة على غزة التي تُمحى يوماً بعد يوم.
رحل أنس، لكن تقاريره التي أذاعها ما زالت تحكي عن طفل نائم بجوار جثمان أمه، وعن شاب يودع رفيقه، وعن مدينة تبحث عن فجر لا يخاف من القصف.
في ليل غزة الطويل؛ صمت صوت أنس على الهواء، لكن كلماته ظلّت معلقة في الأثير، تقول لكل من بقي: “طالما هناك عين ترى وأذن تسمع؛ فلن تُمحى الحكاية”.