الأخبار

إدخال مساعدات محدودة إلى غزة.. مناورة إعلامية لإدارة المجاعة وتخفيف الضغط

مايو 19, 2025 10:22 م

 

السبيل – خاص

 

بعد أكثر من 75 يوماً من الحصار الكامل؛ أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أنها سمحت بدخول عدد محدود من شاحنات المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، في خطوة وُصفت على نطاق واسع بأنها محاولة للتهرب من الضغوط الدولية المتصاعدة، لا أكثر.

 

وبحسب بيان صادر عن جيش الاحتلال؛ فقد دخلت خمس شاحنات إلى غزة محملة بأغذية مخصصة للأطفال، على أن تدخل “عشرات” الشاحنات الإضافية خلال الأيام المقبلة، وفق ما صرح به المدير العام لوزارة الخارجية في حكومة الاحتلال خلال مؤتمر صحفي.

 

غير أن المعطيات على الأرض تكشف عن حجم الفجوة الهائل بين التصريحات والواقع، وتظهر أن ما يحدث لا يعدو كونه “إدارة منظمة للمجاعة”، لا سعياً لإنهائها.

 

أقل من 5% من الحاجة اليومية

ما دخل من مساعدات حتى الآن لا يتجاوز تسع شاحنات يومياً، وقد يصل إلى ثلاثين شاحنة في أقصى التقديرات، وهو ما يعادل أقل من 5% من المعدل اليومي السابق لإدخال المساعدات خلال فترة الهدنة الأخيرة، حين كانت تدخل نحو 600 شاحنة يومياً، تشمل مواد غذائية وطبية ومستلزمات حياتية أساسية.

 

ويتزامن هذا التراجع الحاد في كمية المساعدات مع تحذيرات أممية ودولية متزايدة من مجاعة وشيكة تهدد حياة مئات الآلاف في القطاع، وتحديداً في شماله، حيث تتضاعف الكارثة بفعل استمرار الحصار واستهداف مناطق الإيواء والمخازن الطبية.

 

لقطة إعلامية لا أكثر

 

وبحسب متابعين، فإن إدخال هذه الشاحنات القليلة يأتي كجزء من مناورة إعلامية مدروسة تهدف إلى تقديم “صورة محسّنة” للاحتلال أمام المجتمع الدولي، لا سيما حلفائه في الغرب، في ظل تقارير مصوّرة عن أطفال يتضورون جوعاً، وانتقادات شديدة اللهجة وصلت إلى أروقة الكونغرس الأميركي.

 

وتمثّل الشاحنات – التي جرى تصويرها وترويجها على أنها مؤشر على انفراجة – مجرد مشهد دعائي مبرمج لإثبات “حسن النية”، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال قصفها للمرافق الحيوية، كان آخرها استهداف مستودع المحاليل الطبية في مستشفى ناصر بخان يونس لإعلان إدخال أدوية.

 

وما تسمح به سلطات الاحتلال لا يتضمن شاحنات تجارية تحمل مواد غذائية طازجة كاللحوم أو الخضار أو الفواكه. فمعظم الشاحنات تحتوي على طحين ومعلبات فقط، وهو ما يبقي المعدل الغذائي للفرد في غزة عند مستوى 1000 إلى 1500 سعرة حرارية في اليوم، أي أقل من الحد الأدنى المطلوب للبقاء الصحي، في سياسة أقرب ما تكون إلى “الهندسة التغذوية” لتأجيل الانفجار الإنساني دون منعه.

 

هذه السياسة ليست وليدة اللحظة، بل تمثل نهجاً استراتيجياً للاحتلال منذ سنوات، إذ يتعامل الاحتلال مع الحصار كسلاح غير عسكري، ووسيلة ضغط جماعي لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، منها تقويض أي مقاومة، وإجبار السكان على الخضوع أو النزوح.

 

تحويل المجاعة إلى أداة سياسية وعسكرية

 

وجاء قرار استئناف إدخال المساعدات بعد رسائل ضغط مباشرة من أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، عبّروا فيها لرئيس حكومة الاحتلال عن قلقهم من أن صور المجاعة تقوّض الدعم الغربي لإسرائيل وتقرّبها من “خط أحمر” يمكن أن يؤدي إلى فقدان السيطرة على السردية الدولية.

 

ورد نتنياهو على ذلك بقوله إن إدخال المساعدات “ضرورة لتحقيق النصر”، مشيراً ضمنياً إلى أن تخفيف الأزمة الغذائية مؤقت، ومرتبط بإدارة المشهد السياسي لا بالاستجابة للكارثة الإنسانية المتفاقمة.

 

وتأتي هذه الخطوة في وقت يشن فيه الاحتلال عملية برية جديدة في جنوب القطاع، وتحديداً خان يونس، مع تحذير السكان من الإخلاء تمهيداً لما وصفه الجيش بـ”هجوم غير مسبوق”. وبالتوازي؛ تتصاعد خطط اجتياح شامل للقطاع بأكمله، ضمن ما يُنظر إليه كمرحلة أخيرة من خطة تطهير منهجي تستهدف إنهاء الوجود الفلسطيني في غزة.

 

وبذلك، تتحول المساعدات إلى أداة تضليل دولي، تُستغل لتحسين صورة الاحتلال، وامتصاص الضغط الإعلامي، وشراء الوقت اللازم لإتمام عمليات عسكرية أكثر دموية، في تكرار للنموذج الذي استخدمه الاحتلال في اجتياح رفح مؤخراً.

 

خلاصة الأمر؛ إن إدخال هذا القدر الضئيل من المساعدات بعد أكثر من شهرين ونصف من الإغلاق الكامل، لا يعكس انفراجة إنسانية بقدر ما يؤكد على تحكم الاحتلال التام في مفاصل الحياة والموت في غزة، ويكشف عن أن المجاعة تُدار لا تُعالج، وتُستخدم كورقة تفاوض لا كأزمة إنسانية ينبغي إنهاؤها.

 

وأمام هذه الصورة؛ يتضح أن الاحتلال لا يسعى إلى التخفيف من المعاناة، بل إلى ضبط توقيتاتها وشدتها بما يخدم أهدافه العسكرية والسياسية، في ظل صمت دولي يشجع استمرار الكارثة، ويمنح الجلاد وقتاً إضافياً في غرفة التعذيب المفتوحة.

مواضيع ذات صلة
تصريحات سموتريتش الأخيرة.. اعتراف بالضعف أم مناورة تكتيكية؟
تصريحات سموتريتش الأخيرة.. اعتراف بالضعف أم مناورة تكتيكية؟

يوليو 21, 2026 7:42 م

  السبيل – خاص في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لعدوان أمريكي متواصل، وتدافع عن سيادتها وحرية الملاحة في مضيق...
بلغاريا.. الوجه الأوروبي للحرب الأمريكية
بلغاريا.. الوجه الأوروبي للحرب الأمريكية

يوليو 21, 2026 6:28 م

حازم عيّاد لماذا لم يشارك الاحتلال الإسرائيلي في جولة القتال الحالية، رغم كونها فرصة ثمينة لنتنياهو يمرر من خلالها استراتيجيته...
ما وراء عزوف نتنياهو: أزمة الذخائر والعقد اللوجستية
ما وراء عزوف نتنياهو: أزمة الذخائر والعقد اللوجستية

يوليو 21, 2026 6:27 م

حازم عيّاد لماذا لم يشارك الاحتلال الإسرائيلي في جولة القتال الحالية، رغم كونها فرصة ثمينة لنتنياهو يمرر من خلالها استراتيجيته...
صدام الأجواء والبحار: كيف أعادت حادثة الطائرة الإيرانية خلط الأوراق العسكرية في اليمن؟
صدام الأجواء والبحار: كيف أعادت حادثة الطائرة الإيرانية خلط الأوراق العسكرية في اليمن؟

يوليو 21, 2026 2:22 م

كتب: د. عمر الجيوسي/ إسطنبول دخل المشهد اليمني الخليجي طوراً جديداً ومباغتاً من التصعيد العسكري المباشر، واضعاً حداً لسنوات من...
مشعل: أقف وأبناء “حماس” جميعهم خلف قيادة المجاهد الحية على طريق المقاومة والتحرير
مشعل: أقف وأبناء “حماس” جميعهم خلف قيادة المجاهد الحية على طريق المقاومة والتحرير

يوليو 21, 2026 1:55 م

الدوحة – السبيل هنأ رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل، الدكتور خليل الحية على نيله ثقة مجلس الشورى العام...
الإطاحة بـ”أكبر سارق مياه” في العقبة
الإطاحة بـ”أكبر سارق مياه” في العقبة

يوليو 21, 2026 1:28 م

عمان – السبيل أعلنت وزارة المياه والري، الثلاثاء، عن تنفيذ حملة أمنية كبيرة في محافظة العقبة أطاحت بـ “أكبر سارق...