الضفة الغربية.. مقاومة بلا سلاح تواجه إبادة بلا حدود
السبيل – خاص
في ورقة حقائق جديدة أصدرها نادي الأسير الفلسطيني؛ تتضح صورة قاتمة لواقع الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة.. أكثر من 3600 حالة اعتقال خلال النصف الأول من عام 2026، بينها مئات الأطفال والنساء، إلى جانب المئات في قطاع غزة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة حية على أن آلة القمع الإسرائيلية لا تميز بين جغرافيا المقاومة وجغرافيا “الهدوء النسبي”.
الضفة الغربية، رغم أنها لا تحتضن اليوم حركات مقاومة مسلحة بنفس الكثافة والقدرة التي يشهدها قطاع غزة؛ إلا أنها تتعرض لسياسة اعتقال ممنهجة تتجاوز مجرد “الأمن المزعوم” إلى مستوى الانتقام الجماعي والسيطرة المطلقة.
محافظة الخليل وحدها سجلت أكثر من 700 حالة، وشهر آذار/مارس شهد ذروة بلغت نحو 900 اعتقال. أما الاعتقال الإداري، الذي يُمارس دون تهمة أو محاكمة؛ فقد بلغ أرقاماً غير مسبوقة، ليتحول إلى أداة يومية لكسر إرادة المجتمع الفلسطيني بأسره.
وتكشف هذه الحقيقة جوهر الاحتلال، فهو لا ينتظر مقاومة مسلحة ليبرر وحشيته. يكفي أن يكون الفلسطيني موجوداً على أرضه ليصبح هدفاً.
السجون الإسرائيلية، بحسب نادي الأسير، تحولت منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى “منظومة إبادة موازية”، حيث يمارس التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل والاعتداءات، وتنتشر الأمراض، وعلى رأسها الجرب. إضافة إلى أن أكثر من 100 أسير استُشهدوا منذ بدء الحرب، بينما تُخفى مصائر آلاف المعتقلين من غزة، ويُمنع الصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية من الوصول إليهم.
الرقم الإجمالي للأسرى الفلسطينيين بلغ نحو 9400 حتى بداية يوليو 2026، بينهم مئات الأطفال والأسيرات، وآلاف المعتقلين الإداريين والمصنفين “مقاتلين غير شرعيين”. ومنذ بدء العدوان على غزة، تجاوزت حالات الاعتقال في الضفة 24 ألفاً و600 حالة.. هذه الأرقام تُثبت أن الاحتلال يمارس سياسة واحدة تجاه كل الفلسطينيين: كسر الإرادة الجماعية، سواء بالقصف في غزة أو بالاعتقال والتعذيب في الضفة.
من هنا؛ يتضح درس أساسي لا يمكن تجاهله: هذا الاحتلال لا يفهم سوى لغة المقاومة. فالعقود الماضية أثبتت أن المفاوضات والتنازلات والتهدئة لم تُنتج سوى المزيد من الاستيطان والتهويد والاعتقال. وكلما خفت صوت المقاومة؛ ارتفعت وتيرة القمع. وكلما تصاعدت المقاومة؛ اضطر الاحتلال إلى إعادة حساباته، حتى لو كان الثمن باهظاً.
الضفة الغربية اليوم تدفع ثمن وجودها كجزء من المشروع الوطني الفلسطيني، لا ثمن حملها السلاح. وهذا بالذات ما يجعل سياسة الاعتقال الجماعي أكثر خطورة؛ لأنها تستهدف المجتمع بأكمله، لا المقاتلين فقط.. إنها محاولة لإنتاج جيل مكسور، خائف، معزول عن تاريخه وحقوقه.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتنديد، بل إدراك أن استمرار الإفلات من العقاب هو ما يغذي هذه الجرائم. فالمجتمع الدولي الذي يتحدث عن “حل الدولتين” ويغض الطرف عن آلاف المعتقلين، يشارك فعلياً في ترسيخ نظام الفصل العنصري.
أما على المستوى الفلسطيني؛ فإن المقاومة بكل أشكالها – الشعبية والمسلحة والمدنية – تبقى الخيار الوحيد الذي أجبر الاحتلال عبر التاريخ على التراجع، ولو جزئياً.
الورقة الصادرة عن نادي الأسير ليست مجرد تقرير حقوقي.. إنها جرس إنذار. الضفة ليست غزة، لكنها تواجه الوحشية ذاتها. والاحتلال، كما أثبتت كل التجارب، لا يفهم إلا لغة من يرفض الاستسلام.