غزة تحتفل فوق الركام بتفوق أبنائها في الثانوية العامة
غزة – وكالات
لم يكن إعلان نتائج الثانوية العامة في قطاع غزة مجرد مناسبة تعليمية، بل تحول إلى لحظة تختزل عامًا من المعاناة والصمود. فمع كل اسم ناجح، حضرت قصة طالب تحدّى الحرب، وواصل دراسته وسط النزوح، وفقدان الأحبة، وانهيار المدارس، وغياب البيئة التعليمية الآمنة، ليؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على الصمود حتى في أقسى الظروف.
ورغم أن النتائج رسمت الابتسامة على وجوه آلاف الأسر، فإن تلك الفرحة لم تكن مكتملة. ففي كثير من البيوت غاب الأب أو الأم أو أحد الأشقاء الذين كانوا يحلمون بالوقوف إلى جانب أبنائهم في هذه اللحظة، بينما استقبلت عائلات أخرى النجاح من داخل خيام النزوح أو بين أنقاض المنازل المدمرة، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها القطاع.
ولم تكن رحلة طلبة الثانوية العامة اعتيادية؛ إذ فرضت الحرب واقعًا تعليميًا غير مسبوق، تمثل في انقطاع الدراسة لفترات طويلة، وتدمير عشرات المدارس، وتحويل العديد منها إلى مراكز لإيواء النازحين، إلى جانب النقص الحاد في الوسائل التعليمية، وصعوبة الوصول إلى الكهرباء والإنترنت، ما أجبر الطلبة على ابتكار وسائل بديلة لمواصلة التحصيل العلمي.
ومع انتهاء مرحلة الثانوية العامة، تبدأ تحديات أكثر تعقيدًا؛ فالنجاح في الامتحان لا يعني بالضرورة سهولة الانتقال إلى التعليم الجامعي، في ظل ما تعرضت له الجامعات من أضرار جسيمة، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تجعل توفير الرسوم الدراسية والاحتياجات الأساسية عبئًا كبيرًا على معظم الأسر.
ويواجه الطلبة كذلك تحديًا يتمثل في الفاقد التعليمي الذي خلفته الحرب، إذ يرى تربويون أن سنوات الدراسة الأخيرة لم تجرِ في ظروف طبيعية، ما يستدعي تنفيذ برامج أكاديمية تعويضية، إلى جانب توفير دعم نفسي يراعي الصدمات التي تعرض لها الطلبة، والتي أثرت في قدرتهم على التركيز والتحصيل.
وفي غرب مدينة غزة، وفي أحد أكثر شوارعها اكتظاظًا، علت أصوات الزغاريد ابتهاجًا بتفوق التوأم بانا ودانا محمد الوكيل، اللتين حصلتا على معدلي 98% و99% على التوالي في الفرع الأدبي، فيما ازدانت المنطقة بالزينة، وطُبعت لافتات تحمل اسمي الطالبتين ومعدليهما احتفاءً بهذا الإنجاز.
وقالت بانا لـ”قدس برس”: “رغم ظروف الحرب وما شهدناه من نزوح وفقدان للأحبة، كانت فرحة أهلي كبيرة بهذه النتيجة. صحيح أن لحظات التوتر سبقت إعلان النتائج، لكنني كنت واثقة من نفسي ومتوقعة لهذا المعدل”.
وأضافت: “لم يكن هذا التفوق ليتحقق لولا الاجتهاد والعمل المتواصل. كنت أنا وتوأمي نستيقظ قبل الفجر أو نسهر حتى ساعات متأخرة، ندرس على ضوء الهاتف بسبب انقطاع الكهرباء. كما لم تكن هناك إمكانية لطباعة المواد الدراسية، فكنا نعتمد على الهاتف، فضلًا عن ظروف المجاعة التي سبقت وقف إطلاق النار. وبعدها تحسنت الأوضاع نسبيًا، وتوفرت بعض ساعات الكهرباء، وتمكنا من طباعة جزء من الرزم التعليمية”.
وتابعت: “أطمح أنا وشقيقتي إلى دراسة الترجمة باللغة الإنجليزية، لعلنا نستطيع مخاطبة العالم ورواية ما تعرض له أهل غزة خلال عامي الإبادة، والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني”.
من جانبها، أشارت دانا إلى أن “الخروقات الإسرائيلية والقصف المتواصل للقطاع شكّلا ضغطًا نفسيًا كبيرًا على طلبة الثانوية العامة”، مضيفة: “رغم كل ذلك، واصلنا الاجتهاد حتى حصدنا أعلى الدرجات”.
وفي المنطقة ذاتها، تجمعت عائلة الطالب محمد المجبر للاحتفال بتفوقه وحصوله على معدل 94.4%، في أجواء حاولت خلالها الأسرة انتزاع لحظة فرح من بين أوجاع الحرب والنزوح.
وقال محمد: “فرحة النجاح لا تضاهيها أي فرحة. رؤية عائلتي سعيدة، والابتسامة تعلو وجوههم، مشهد لا يمكن تعويضه”.
وأضاف: “عشنا ظروفًا قاسية، ولو لم نتغلب عليها لما استطعنا أن نصل إلى هذه اللحظة أو ندخل الفرح إلى قلوب أهلنا”.
وتابع: “يبقى الخوف الأكبر من غياب مقومات التعليم الجامعي؛ فلا جامعات تعمل بشكل طبيعي، ولا مقاعد دراسية متاحة كما ينبغي، فضلًا عن صعوبة الأوضاع المالية وعدم قدرة كثير من الأسر على تحمل تكاليف الدراسة الجامعية”.
ولا تبدو الفرحة مختلفة في مراكز النزوح والخيام، حيث واجه الطلبة ارتفاع درجات الحرارة، وغياب الأماكن المخصصة للدراسة، وضجيج الأطفال، وأصوات صهاريج المياه، ومع ذلك تمكنوا من تجاوز هذه الظروف، وصنعوا من قلب المعاناة لحظة انتصار وفرح.
وتكشف نتائج الثانوية العامة هذا العام حقيقة مزدوجة؛ فمن جهة، أثبت الطلبة تمسكهم بحقهم في التعليم رغم الحرب، ومن جهة أخرى، كشفت هشاشة الواقع التعليمي في قطاع غزة، وما يحتاجه من دعم عاجل حتى لا تتحول معاناة هذا الجيل إلى أزمة تمتد آثارها لسنوات طويلة.