الاحتلال بعد ألف يوم من 7 أكتوبر.. إنجازات مزعومة وصدمة لم تندمل
السبيل – خاص
في اعتراف جديد يعكس حجم الارتباك الذي ما زال يسيطر على الداخل الإسرائيلي بعد مرور ألف يوم على عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وصف المحرر العسكري في مجلة “يسرائيل ديفينس” دان أركين، ذلك اليوم بأنه “أثقل كارثة” حلّت بالكيان منذ تأسيسه، مؤكداً أن ما تحقق لاحقاً من إنجازات عسكرية، بحسب الرواية الإسرائيلية، لا يلغي حقيقة الانهيار الأمني والاستخباري الذي شهدته الحدود مع قطاع غزة، ولا يمحو آثار الصدمة التي ما تزال تلاحق المجتمع الإسرائيلي.
ويشدد الكاتب الإسرائيلي على أن ما جرى لم يكن مجرد خطأ عملياتي أو حادث عابر، بل فشل شامل أصاب مختلف مستويات القيادة السياسية والعسكرية.
ويستعرض سلسلة من الإخفاقات التي رافقت الهجوم، بدءاً من تجاهل التحذيرات التي نقلتها المجندات ووحدات الرصد، مروراً بعجز أجهزة الاستخبارات عن استيعاب المؤشرات المتراكمة، ووصولاً إلى الغياب شبه الكامل للقوات العسكرية في الساعات الأولى، حيث يؤكد أن المستوطنات تُركت من دون حماية، وأن آلاف المقاتلين الفلسطينيين تمكنوا من التسلل والسيطرة على مواقع عدة في ظل غياب الدبابات والطائرات واستجابة القيادة.
ولا يكتفي أركين بتوصيف الفشل العسكري، بل يوجه انتقادات حادة للمستوى السياسي، معتبراً أن بعض المسؤولين يسعون اليوم إلى إعادة صياغة الرواية الرسمية عبر تصوير السابع من أكتوبر على أنه مجرد “حادث” تم تجاوزه بفضل ما تحقق لاحقاً في الحرب، بينما يرى أن هذا النهج يهدف إلى طمس المسؤوليات الحقيقية وتهيئة الرأي العام الداخلي للاستحقاقات السياسية المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات.
كما يلفت الكاتب إلى أن المجتمع الإسرائيلي لم يتعاف بعد من آثار ذلك اليوم، مشيراً إلى استمرار انتشار الصدمات النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة، وإلى أن الأطفال والعائلات الذين عاشوا الحرب ما زالوا يحملون آثارها، الأمر الذي يجعل الحديث عن التعافي الكامل أو طي صفحة الماضي أمراً سابقاً لأوانه. ولهذا يدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق حكومية مستقلة تكشف ما جرى وتحدد المسؤوليات، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لاستعادة ثقة الجمهور.
وتحمل هذه المقالة دلالات تتجاوز كونها نقداً لأداء الجيش أو الحكومة، إذ تعكس استمرار أزمة الثقة داخل الكيان، وتؤكد أن السابع من أكتوبر ما زال يمثل جرحاً مفتوحاً في الوعي الإسرائيلي. فبعد مرور نحو ثلاث سنوات، لا يزال الجدل محتدماً حول أسباب الإخفاق، بينما تعجز المؤسسة السياسية عن إنتاج رواية موحدة تقنع الجمهور بأن ما حدث أصبح جزءاً من الماضي.
ومن الناحية السياسية، تكشف هذه الاعترافات أن حرب الإبادة الواسعة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، وما رافقها من عمليات عسكرية على أكثر من جبهة، لم تنجح في تحقيق أحد أهم أهدافها الداخلية، وهو استعادة الشعور بالأمن لدى المستوطنين. فلو كانت صورة الردع قد استعادت مكانتها بالفعل، لما استمرت الأصوات الإسرائيلية في الحديث عن أكبر كارثة في تاريخ الكيان، ولما بقيت المطالبات بالمحاسبة والتحقيق تتصدر النقاش العام حتى اليوم.
كما تؤكد تصريحات أركين أن الأزمة لم تكن نتيجة مفاجأة تكتيكية فقط، بل جاءت أيضاً نتيجة تراكم أخطاء في التقدير والاستخفاف بقدرات المقاومة الفلسطينية، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا والمنظومات الأمنية، وهي فرضيات سقطت جميعها في السابع من أكتوبر، عندما تمكن المقاتلون الفلسطينيون من اختراق ما كان يُوصف بأنه أكثر الحدود تحصيناً في المنطقة.
وتبرز المقالة كذلك حجم الانقسام داخل المؤسسة الإسرائيلية بين من يريد مواجهة الحقيقة وتحميل المسؤوليات، وبين من يسعى إلى تجاوزها عبر التركيز على ما تحقق لاحقاً من عمليات عسكرية. وهذا الانقسام يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأزمة التي كشفها السابع من أكتوبر ليست أزمة عسكرية فحسب، وإنما أزمة قيادة ورؤية وعقيدة أمنية، وهو ما يفسر استمرار حضور ذلك اليوم في النقاشات السياسية والإعلامية الإسرائيلية، رغم مرور ألف يوم عليه.
وفي المحصلة؛ فإن أهمية هذه المقالة لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في كونها تصدر عن كاتب عسكري إسرائيلي يقر بأن الكيان لم ينجح حتى الآن في تجاوز تداعيات السابع من أكتوبر. وهو اعتراف يعكس أن آثار ذلك اليوم ما تزال حاضرة في مؤسسات الاحتلال ومجتمعه، وأن المعركة على الرواية والذاكرة والمسؤولية لا تزال مفتوحة، تماماً كما لا تزال تداعيات ذلك الحدث ترسم ملامح المشهد السياسي والأمني داخل الكيان.