بين المعاناة ومحاولات توظيفها.. لماذا كان تفاعل الغزيين محدوداً مع دعوات “حراك 26 يونيو”؟
غزة – وكالات
أثارت الدعوات الجديدة التي أطلقها ما يُعرف بـ”حراك 26 يونيو” لقرع الطناجر داخل الخيام والمنازل في قطاع غزة جدلًا واسعًا بشأن طبيعة الحراك الشعبي في ظل الحرب المستمرة، ومدى قدرته على استقطاب الشارع الفلسطيني.
وبينما يؤكد منظمو الحراك أن الدعوات تعبر عن احتجاج على الواقع الإنساني المتدهور، يرى محللون أن محدودية التفاعل معها تعكس إدراكًا شعبيًا بأن الأولوية في هذه المرحلة تتمثل في وقف الحرب وإنهاء الحصار، مع وجود مخاوف من استغلال المعاناة الإنسانية في سياقات سياسية قد تعمّق الانقسام الداخلي.
الأولوية لوقف الحرب
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا إن الدعوات المتجددة لقرع الطناجر تعكس استمرار محاولات توظيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة لإحداث حالة من الإرباك الداخلي، مشيرًا إلى أنها لم تحظَ، كما في المرات السابقة، بتفاعل شعبي واسع.
وأوضح، في حديث لـ”قدس برس”، أن الأولوية لدى سكان القطاع، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، تتمثل في وقف العدوان، ورفع الحصار، وتأمين الاحتياجات الأساسية، معتبرًا أن أي تحركات لا تُوجَّه نحو تحميل الاحتلال مسؤولية ما يجري قد تؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي بدلًا من توحيد الجهود لمواجهة الأزمة.
وأضاف أن الوعي الشعبي أسهم في الحد من الاستجابة لهذه الدعوات، إذ يرى كثير من الفلسطينيين أن أي حراك جماهيري ينبغي أن يركز على المطالبة بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإنهاء الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
وأشار القرا إلى أن هذه الدعوات تتقاطع، من وجهة نظره، مع الرواية التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها، عبر تحويل الأنظار عن مسؤوليته المباشرة عن المأساة الإنسانية في غزة، لافتًا إلى أن قطاعًا من الفلسطينيين يعتقد أن القائمين على هذه الحملات سبق أن أطلقوا حملات مشابهة ضد المقاومة، وأن معظمهم يقيم خارج القطاع بعيدًا عن معاناة المواطنين اليومية.
تزامن مع تحريض إسرائيلي
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن ما سُمّي بـ”حراك 26 يونيو” لم يحقق الأهداف التي رُوّج لها، بل تعثر قبل أن يبدأ، ليس لأن سكان غزة يفتقدون أسباب الغضب، فالمعاناة الإنسانية بلغت مستويات كارثية بفعل الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، وإنما لأن غالبية الفلسطينيين رفضوا نقل بوصلة الصراع من مواجهة الاحتلال إلى الاشتباك الداخلي في مرحلة شديدة الحساسية.
وأوضح، في حديث لـ”قدس برس”، أن فعاليات الحراك تضمنت دعوات إلى التظاهر وقرع الطناجر ورفع شعارات احتجاجية، وهي وسائل احتجاج معروفة في كثير من دول العالم، إلا أنها فقدت، بحسب تقديره، جانبًا كبيرًا من مشروعيتها السياسية في الحالة الفلسطينية، بعد تزامنها مع دعوات وتحريضات إسرائيلية علنية للخروج ضد المقاومة في غزة.
وأضاف أن تصريحات مسؤولين إسرائيليين، من بينهم وزير الزراعة والأمن الغذائي السابق ورئيس جهاز “الشاباك” الأسبق آفي ديختر، ووزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، التي دعت سكان غزة إلى الخروج ضد المقاومة، دفعت قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى النظر بعين الريبة إلى هذا الحراك، والتساؤل عن الجهات المستفيدة منه والأهداف التي قد يفضي إليها.
لماذا كان التفاعل محدودًا؟
ويرى شاهين أن محدودية التفاعل مع دعوات “حراك 26 يونيو” تعود إلى مجموعة من العوامل السياسية والوطنية، وليس إلى غياب دوافع الاحتجاج أو التقليل من حجم المعاناة الإنسانية.
وأوضح أن أول هذه العوامل تمثل في تزامن الدعوات مع التحريض الإسرائيلي ضد المقاومة، ما أضعف ثقة الشارع بها وأثار شكوكًا حول أهدافها وتوقيتها. كما أسهم غياب رؤية سياسية واضحة لمعالجة الأزمة الإنسانية، واقتصار الخطاب على الاحتجاج الداخلي، في الحد من قدرتها على كسب التأييد الشعبي.
وأضاف أن الفلسطينيين يدركون أن الاحتلال يسعى، منذ أشهر، إلى إحداث شرخ داخل المجتمع الفلسطيني بعد إخفاقه في تحقيق أهدافه العسكرية، وهو ما عزز الحرص على الحفاظ على السلم الأهلي وتجنب أي تحركات قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام أو الفوضى، رغم قسوة الظروف الإنسانية.
وأشار إلى أن هذا الوعي الشعبي تجسد في التمييز بين المطالبة بالحقوق المعيشية المشروعة، وبين أي تحركات قد تُسهم في تحويل بوصلة الصراع بعيدًا عن الاحتلال، الذي لا يزال الفلسطينيون يعتبرونه المسؤول الأول عن المأساة الإنسانية في قطاع غزة.
رسالة الشارع
وأكد شاهين أن الفلسطينيين في غزة أظهروا مستوى مرتفعًا من الوعي السياسي، من خلال الفصل بين المطالب المعيشية المشروعة المتعلقة بالغذاء والدواء والأمن والخدمات الأساسية، وبين محاولات توظيف هذه المعاناة في سياقات سياسية ملتبسة قد تخدم أجندات خارجية.
وأضاف أن الرسالة التي حملها الموقف الشعبي تؤكد أن السلم الأهلي لا يزال يمثل قيمة راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني، وأن الاحتلال الإسرائيلي يبقى المسؤول الأول عن المأساة الإنسانية والسياسية التي يعيشها القطاع.
وشدد على أن محدودية التفاعل مع الحراك لا تعني إنكار حجم المعاناة أو التقليل من المطالب الشعبية، فالأزمة الإنسانية بلغت مستويات غير مسبوقة، ما يستدعي الإسراع في معالجة الملفات الإغاثية والخدمية، وتمكين الجهات المختصة، وفي مقدمتها لجنة التكنوقراط، من الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين.
وختم شاهين بالتأكيد أن الرسالة التي عبّر عنها الفلسطينيون تتمثل في تمسكهم بحقهم في الكرامة الإنسانية وتحسين أوضاعهم المعيشية، مع رفض تحويل معاناتهم إلى أداة لخدمة أجندات سياسية أو منح الاحتلال فرصة لتحقيق أهداف عجز عن فرضها عبر الحرب والدمار.
وباءت دعوات “حراك 26 يونيو” (أو ما عُرف إعلاميًا بـ “ثورة 26 يونيو”) في قطاع غزة بالفشل التام، إذ لم تشهد الشوارع أي استجابة فعلية طوال يوم الجمعة الماضي.
وأطلق نشطاء وشخصيات فلسطينية، أغلبهم يقيم خارج قطاع غزة، دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بإنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وتحسين الظروف المعيشية، ووقف الحرب، غير أنها انتهت بحالة من الالتفاف الشعبي حول المقاومة، وتأكيد وجهاء وعشائر غزة استمرار الصمود.
وعزا مراقبون فشل هذا الحراك إلى غياب الحشد الميداني، حيث لم تشهد شوارع القطاع خروج أي تظاهرات داعمة لهذه الدعوات على الإطلاق، إضافة إلى الرفض العشائري، إذ عقد وجهاء وعشائر غزة مؤتمرًا صحفيًا أكدوا فيه التفافهم حول خيار المقاومة ورفضهم الحراك. ووُصِف الحراك من قبل قواعد شعبية واسعة بأنه محاولة مشبوهة تدعمها أطراف خارجية لتكريس واقع يخدم الاحتلال الإسرائيلي