غزة التي غابت عن الشاشات.. حكاية القتل الصامت في زمن حرب أخرى
السبيل – خاص
في صباحٍ بدا كأنه يشبه العيد؛ كانت غزة تستيقظ على ما تبقى من طقوس الفرح المؤجل.. ملابس جديدة معلّقة على جدرانٍ متصدعة، وأصوات أطفال تحاول أن تقاوم الخوف بضحكات قصيرة. لكن هذا الصباح؛ كغيره منذ شهور، لم يكتمل. ارتقى شهداء مرة أخرى، وكأن وقف إطلاق النار لم يكن سوى عبارة عابرة في نشرات الأخبار.
في ثالث أيام عيد الفطر؛ استُشهد أربعة أشخاص؛ ثلاثة في المحافظة الوسطى، ورابع في حي الشيخ رضوان. لم تكن هذه الأرقام مجرد حصيلة يومية، بل امتداداً لسلسلة لا تنقطع منذ إعلان التهدئة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر. هناك في غزة؛ لا يُقاس الزمن بالأيام، بل بعدد الغارات التي تفصل بين حياة وأخرى.
بعيداً عن الركام، وفي زاويةٍ أخرى من الحكاية؛ استهدفت غارة مركبة للشرطة في مخيم النصيرات، فقتل ثلاثة من عناصرها. في الحسابات القانونية؛ تبدو هذه الواقعة أكثر من مجرد خبر، فهي تفتح أسئلة ثقيلة حول طبيعة الأهداف وحدود القوة، وحول الخط الفاصل بين ما هو مدني وما هو عسكري، وهو خط يفترض أن يبقى واضحاً حتى في أكثر الحروب قسوة.
لكن غزة اليوم ليست فقط ساحة قصف، بل ساحة غياب.. غياب في الشاشات، في العناوين، وفي الاهتمام. فمنذ أن اشتعلت الحرب على إيران؛ تحوّلت الكاميرات بعيداً، كأن القطاع اختفى فجأة من الخريطة. ومع هذا الغياب؛ خفّ الضغط، واتسع المجال لواقعٍ أكثر قسوة: قتل مستمر، وحصار يشتد بصمت.
في الأحياء التي لم تُسوَّ بالأرض بعد؛ تعيش العائلات على إيقاع نقصٍ دائم.. الغذاء شحيح، الدواء نادر، والماء أحياناً ترف، والمستشفيات التي يفترض أن تكون ملاذاً؛ أصبحت عاجزة عن أداء دورها، مع نقص حاد في الإمكانيات، وأعداد متزايدة من المصابين.. هناك؛ لا يموت الناس فقط بسبب القصف، بل أيضاً بسبب ما لا يصل إليهم: علاج، أو طعام، أو حتى فرصة للنجاة.
في قطاع غزة؛ تبدو الصورة قاسية للغاية، وأكثر وضوحاً من أن تُخفى خلف لغةٍ متوازنة، فاستمرار القتل رغم إعلان التهدئة؛ يؤكد أن عدوان الاحتلال ما زال مستمرا. أما الحصار؛ فقد تحول إلى سياسة تجويع وعقاب جماعي مكتملة الأركان، تُفرض على أكثر من مليوني إنسان، عبر حرمانهم من الغذاء والدواء ووسائل الحياة الأساسية، في ممارسة ترقى إلى جريمة مستمرة بحق المدنيين، تُرتكب على مرأى العالم وبصمتٍ دولي لافت.
ورغم كل ذلك؛ تمضي الحياة في غزة بطريقةٍ تشبه التحدي الصامت. أمٌّ تعدّ ما توفر من طعام لأطفالها، وأبٌ يحاول إصلاح بابٍ حطمته موجة انفجار، ومسعف يركض بين الأنقاض وهو يعرف أن الوقت ليس في صالحه.. هؤلاء لا يظهرون كثيراً على الشاشات الآن، لكنهم يشكلون القصة الحقيقية التي تُروى كل يوم، دون أن يسمعها أحد.
في المحصلة؛ لم يتوقف القتل، ولم يُرفع الحصار، ولم تتحقق التهدئة كما وُعد بها. الذي تغيّر فقط هو اتجاه الضوء. وبينما ينشغل العالم بحربٍ أخرى؛ تُترك غزة لتواجه مصيرها في الظل، حيث تستمر الحكاية… بلا كاميرات، وبلا نهاية واضحة.