لا صلاة ولا اعتكاف في الأقصى.. ما دور علماء المسلمين؟
السبيل – خاص
في مشهد يختزل حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون؛ مرّ شهر رمضان هذا العام ثقيلا على مدينة القدس، بعدما أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق المسجد الأقصى بشكل شبه كامل، مانعةً عشرات آلاف المسلمين من أداء الصلاة والاعتكاف في أحد أقدس مقدساتهم.
فمنذ بدء التصعيد العسكري المرتبط بالحرب على إيران؛ لم يُسمح بدخول المسجد سوى لخمسة أشخاص فقط، هم القائمون على خدمته الدينية والإدارية، في خطوة غير مسبوقة منذ احتلال المدينة عام 1967. وفي الخارج، تحوّلت البلدة القديمة إلى ثكنة عسكرية، حيث انتشرت قوات الاحتلال بكثافة لمنع أي اقتراب من أبواب الأقصى، في محاولة لفرض واقع جديد بالقوة.
ورغم هذا الحصار المشدد؛ لم تنكسر إرادة المقدسيين، إذ أدى عدد منهم الصلاة عند أبواب وأسوار البلدة القديمة، متحدّين التهديدات والإجراءات القمعية، في مشهد يعكس تمسكهم بحقهم الديني والتاريخي في المسجد.
سابقة خطيرة ومسؤولية غائبة
ولا يمكن فصل إغلاق الأقصى في رمضان ومنع الاعتكاف فيه؛ عن سياق أوسع من سياسات الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى تقويض الوضع القائم في المسجد، وفرض سيادة كاملة عليه.
كما أن الإعلان عن استمرار الإغلاق حتى خلال عيد الفطر يضيف بعدا آخر من التصعيد، إذ يُحرم الفلسطينيون من أداء صلاة العيد في الأقصى، في وقت يُفترض أن يكون مناسبة جامعة للمسلمين.
وفي ظل هذه التطورات؛ يبرز سؤال ملحّ: أين دور علماء المسلمين؟
تاريخيا؛ كان للعلماء دور محوري في تحريك الرأي العام، وتوجيه البوصلة نحو القضايا الكبرى للأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين. لكن الواقع اليوم يكشف عن حالة من التراجع أو الصمت لدى كثير من المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، التي لم ترتقِ مواقفها إلى حجم الحدث.
إن إغلاق المسجد الأقصى ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل هو مساس مباشر بحرية العبادة، وانتهاك صارخ لمقدسات المسلمين، ما يستدعي موقفا واضحا وصريحا من العلماء، يتجاوز بيانات الشجب التقليدية إلى تحرك فعلي ومؤثر.
ما المطلوب من العلماء؟
الدور المنتظر من علماء المسلمين لا يقتصر على الإدانة، بل يشمل عدة مستويات، أبرزها:
– التأصيل الشرعي: توضيح مكانة الأقصى في العقيدة الإسلامية، وخطورة التفريط فيه أو السكوت على ما يتعرض له.
– دعم صمود المقدسيين: عبر الدعوة إلى تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن المسجد.
– تحريك الشارع: استخدام المنابر والوسائل الإعلامية لإبقاء القضية حية في وجدان الشعوب.
– الضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف سياسية حازمة، تتجاوز حدود الإدانة اللفظية.
بين الواجب والواقع
في المقابل؛ لا يمكن تجاهل القيود التي تفرضها الحكومات على المؤسسات الدينية، والتي تحدّ من قدرتها على التحرك بحرية. لكن ذلك لا يعفي العلماء من مسؤوليتهم التاريخية، خاصة في قضايا تمس جوهر الهوية الدينية للأمة.
لقد أثبتت التجارب أن الكلمة الصادقة يمكن أن تصنع أثرا، وأن المواقف الجريئة قد تعيد توجيه البوصلة، حتى في أحلك الظروف.
إن إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان، ومنع الصلاة والاعتكاف فيه؛ محطة مفصلية تكشف حجم التحديات التي تواجه المقدسات الإسلامية. وبينما يواصل المقدسيون صمودهم في الميدان؛ يبقى السؤال معلقا: هل يرتقي علماء المسلمين إلى مستوى المسؤولية، أم يستمر الغياب في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات الحضور؟