الحياد.. خيار السعودية الرابح في الحرب الإيرانية الأمريكية
حازم عيّاد
بعثت الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران الروح في الموانئ السعودية الواقعة على البحر الأحمر؛ ميناء ينبع وميناء جازان وميناء جدة، وأحيت معها مشاريع نقل النفط عبر الأنابيب عبر ميناء ينبع شمال المملكة العربية السعودية، وميناء جيزان الصناعي الذي يعد واحدًا من أهم الموانئ الواعدة كونه يمثل واحدًا من قصص النجاح للتعاون الصيني السعودي.
الحرب في الخليج العربي عطلت الملاحة البحرية وجعلت من السعودية العمق الجيوسياسي والبديل اللوجستي لدول الخليج العربي ما وراء مضيق هرمز: الإمارات وقطر والبحرين والكويت، بل ولآسيا وإفريقيا وأوروبا، معززة بذلك مكانة السعودية كمركز لوجستي بحري وبري وجوي، معيدة توجيه الاستثمارات والأنظار لمشروع نيوم شمال المملكة العربية السعودية بمحاذاة خليج العقبة، أمر عكسته الأسهم الصاعدة في الأسواق السعودية صباح اليوم الأحد.
الحرب في الخليج العربي نقلت مركز الثقل الجيوسياسي إلى المملكة العربية السعودية، ما فرض على السعودية تحديًا سياسيًا وأمنيًا عكسه بحثها عن الحياد من رحم المواجهة. فالرياض كثفت نشاطها الدبلوماسي للتواصل مع إيران للاستفادة من شراكاتها وتحالفاتها مع كل من باكستان وتركيا، والتي تزامنت مع انفتاح غير مسبوق على الجار العُماني عقب المواجهة العسكرية مع الانفصاليين في محافظة حضرموت اليمنية.
الحياد السعودي لا يعد أمرًا مستعصيًا في ظل شراكة قوية مع الصين التي تستورد ما يقارب 15% من استهلاكها النفطي من السعودية، وما يقارب 10% من إيران، في حين تعد شريكًا اقتصاديًا مهمًا في تطوير الموانئ السعودية والاقتصاد الإيراني في الآن ذاته، فضلًا عن دورها السياسي في الوساطة بين البلدين إيران والسعودية في اتفاق بكين في آذار/مارس للعام 2023، ما جعل منها قوة استقرار وتنمية في المنطقة العربية، خلافًا لأمريكا التي باتت قوة خراب ودمار في المنطقة.
لا تبتعد روسيا عن الصين، إذ تعد شريكًا مهمًا في اتفاق أوبك بلس الذي قدم نموذجًا للتعاون السعودي الروسي، وفي الآن ذاته شريكًا استراتيجيًا لإيران. ففي حين أسهمت إيران في دعم المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا عبر المسيرات، لعبت السعودية دور الوسيط في الملف الأوكراني، خصوصًا في ملف الأسرى وملف العلاقات مع الولايات المتحدة عبر الوساطة التي أفضت لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو. لذلك فإنه من المتوقع أن تلعب روسيا والصين ذات الدور لخفض التصعيد والتوتر بين السعودية وإيران، ما أكده الاتصال الأخير بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطلع الأسبوع الفائت، ويعززه الموقف الصيني الداعي للحوار ووقف الحرب.
الوساطات لضمان الحياد السعودي لا تقتصر على الصين وروسيا، بل تمتد إلى باكستان وتركيا، التي تواصل قائد جيشها عاصم منير ورئيسها طيب أردوغان مع ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان لذات الغاية، وهي الحياد وخفض التصعيد، وبما يخدم مصالح دول المنطقة، الأمر الذي بدا مظاهره بامتناع السعودية عن التورط في الحرب بين أمريكا وإيران رغم المغريات والضغوط وجهود التخريب والعبث الإسرائيلي الاستخباري.
الحياد يمكن السعودية من تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة الاعتبار لموقعها كمركز لوجستي مقرون بإرث تجاري وثقافي على طول طريق الحرير والتوابل، كما أنه يوفر لإيران الفرصة للمناورة الدبلوماسية والعسكرية في معركة وجودية لتحجيم الخطر الإسرائيلي وحماية وحدة ترابها ونظامها السياسي.
ختامًا.. يبدو الحياد مستحيلًا في حرب مجنونة أطلقها ترامب لتمكين مشروع نتنياهو واليمين الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى، إلا أن الفرص الناجمة عن حالة الاستنزاف التي تورطت فيها أمريكا والكيان الإسرائيلي لن تقتصر على روسيا والصين، بل تمتد لتشمل السعودية حال نجاح دبلوماسية الحياد وتجنب التورط الذي تبحث عنه أمريكا للخروج من مأزقها الذي صنعته بملء إرادتها. حرب تشهد صراعًا حقيقيًا على الحياد لا يقل خطورة عن الصراع المسلح الدائر في السماء وفي البحر.