حارس “ولاية الفقيه” شاعر يتقن العربية والبديل لرحيله “مجلس انتقالي”
بقلم: علي سعادة
التخطيط لفترة ما بعد رحيله ما زال همسا وراء الأبواب المغلقة.
خطيب ومفوه، وصل إلى موقع مرشد الثورة الإسلامية في إيران بعد تعديل دستوري أجاز لـ”المجتهد” تولي المنصب بعد أن كانت حكرا على “الفقهاء”؛ ما سمح لرجال الدين من المرتبة الأدنى بالتأهل لمنصب المرشد الأعلى وإلغاء منصب رئيس الوزراء وتركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية.
كان يعتمد السرية والتعتيم في حياته.
يحرص على الإطلاع على كل صغيرة وكبيرة، ولا تفوته التفاصيل التي يمكن فيها الشيطان، لكن هذه الميزة تتراجع إذا كان الأمر يتعلق بتفاصيل حياته الشخصية وطريقة عيشه، وأسلوب إدارته للبلاد.
تأثر بمواقف وآراء المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي رائد مدرسة “الإسلام بلا رجال الدين” الفكرية، لكن تأثره الأكبر كان بآية الله الخميني الذي تشبع بأفكاره ورؤاه، فأصبح أحد رموز فقهاء الشيعة المؤمنين بـ”ولاية الفقيه” المدافعين عنها.
يعود علي خامنئي المولود في عام 1939 بمدينة مشهد، بأصوله إلى أذربيجان، وكان والده آية الله الحاج السيد جواد الخامنئي من أبرز علماء مشهد، وجده حسين الخامنئي من علماء أذربيجان المقيمين في النجف.
تلقى العلوم الشرعية وأصول الفقه الشيعي على يد والده، قبل أن يتنقل بين الحوزات العلمية في مشهد والنجف وقم، ليدرس على كبار العلماء والمراجع الدينية الفقه والفلسفة وعلوما أخرى.
في عام 1958 دخل الحوزة العلمية في قم لإكمال دراسته الدينية العالية في الفقه والأصول وتتلمذ على يد البروجردي والخميني والحائري والطباطبائي، واستمرت دراسته حتى عام 1964 حين قطع دراسته للعناية بوالده بسبب مرض ألم به.
مارس التدريس في بداية حياته بعد تخرجه، واستمر في التدريس أثناء تلقيه العلم في مراحل حياته اللاحقة.
انخرط في عام 1962 في التنظيمات المناوئة لنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وأصبح ناشطا في تلك التنظيمات ما اضطر الحكومة الإيرانية إلى اعتقاله 6 مرات في الفترة ما بين عامي 1962 و 1975.
وفي عام 1978 نفته حكومة الشاه إلى ايرانشهر وأُطلق سراحه بعد فترة وعاد بعدها إلى مدينة مشهد ليستمر في نشاطاته ضد الحكومة.
تقلد العديد من الوظائف والمسؤوليات بعد نجاح الثورة عام 1979، واختير عضوا بمجلس قيادة الثورة، ثم قائدا للحرس الثوري، وإماما لصلاة الجمعة في طهران.
وانتخب عضوا في الدورة الأولى للمجلس الاستشاري الإسلامي (أول برلمان في عهد الثورة) وظل جزءا من النظام السياسي.
أسس الحزب “الجمهوري الإسلامي”، بالاتفاق مع آية الله محمد بهشتي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني وآية الله موسوي أردبيلي.
انتخب رئيسا للجمهورية عام 1981، وكان ترشحه في تلك الانتخابات بإشارة من الخميني، إثر مصرع محمد علي رجائي ثاني رؤساء الجمهورية، وأصبح بذلك الرئيس الإيراني الثالث بعد، أبو الحسن بني صدر ورجائي.
ثم تولى رئاسة الجمهورية لولاية أخرى من عام 1985 حتى 1989.
وكان خامنئي أحد قادة إيران أثناء الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات.
نجا من كثير من الأخطار الصحية والأمنية التي تعرض لها مثل جراحة البروستات، وحادث القنبلة المتفجرة التي كانت مخبأة في جهاز تسجيل عام 1981 حين كان يلقي خطابا في “مسجد أبي ذر” جنوب طهران فأصيب بشدة ورقد في المستشفى.
لم ينطبق شرط تسلم قيادة البلاد على خامنئي فقد كان شرط توفر “المرجعية” من شروط ولاية الفقيه آنذاك، في حين لم يكن خامنئي “مرجعا” دينيا في ذلك الوقت لذلك صوت أعضاء المجلس على تعيينه كمرشد أعلى “مؤقت” في إيران.
وبعد حوالي الشهرين جرى استفتاء على مراجعة الدستور في إيران وعدل الدستور وأزيل شرط “المرجعية”، وبناء عليه جدد
مجلس “خبراء القيادة” انتخاب خامنئي في منصب “ولي الفقيه” بعد حصوله على موافقة 60 من 64 حضروا الاجتماع.
أصبح المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران عقب رحيل الخميني في عام 1989.
ونجح في الحفاظ على روح الثورة لضمان استمرار “مشروعية ولاية الفقيه”.
كان عهد خامنئي عهد الاحتجاجات الشعبية الكبرى فقد شهد عهده مجموعة من الاحتجاجات الجماهيرية زادت عن عشر احتجاجات رافقها قمع وعنف شديدين، واعتقالات واسعة.
لم يكن خامنئي سياسيا ورجل دين فقط، إذ يكشف مقربون منه اهتمامه بالشعر، وقراءة العديد من الروايات والآثار الأدبية لكبار الكتاب في العالم، ويقول مطلعون على سيرته الذاتية إن له “باعا” في نقد الأعمال الأدبية والشعرية، وحينما كان في مشهد، شارك في بعض الجمعيات الأدبية التي تشكلت آنذاك، كما نظم الشعر أيضا واختار لقب الشعري “أمين” لنفسه في السنوات الأخيرة.
كان مهتما جدا باللغة العربية والأدب العربي وبشكل خاص الشعر القديم والحديث.
وصدر لخامنئي نحو 30 كتابا، وقام بترجمة عدة كتب عن العربية من بينها كتابان لسيد قطب هما “المستقبل لهذا الدين” و” بيان ضد الحضارة الغربية “.
وأصدر عام 2010 فتوى حرم بموجبها الإساءة لزوج النبي محمد أم المؤمنين السيدة عائشة أو النيل من الرموز الإسلامية لأهل السنة والجماعة.
ورغم أنه منع امتلاك إيران سلاحا نوويا غير أن وسائل الإعلام الغربية، تقول نقلا عن بعض الدبلوماسيين الذين شاركوا في المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي، إن هناك حاجزا يغلق طريق الاتفاق دائما، وهذا الحاجز هو صحة علي خامنئي ومدى رضاه عن الاتفاق.
وسبق لوسائل الإعلام الغربية أن دفنت خامنئي أكثر من مرة، لكنها كانت تتراجع فيما بعد، وكانت السلطات الإيرانية قد أعلنت أنه يعاني من مرض سرطان البروستاتا، وأجريت له بضع عمليات جراحية صعبة.
ويؤدي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في نظام السلطة في طهران دورا لا مثيل له في العالم، حيث لا يمكن اتخاذ أي قرار هام في مجال الدين والسياسة والاقتصاد وأي تفاصيل أخرى تتعلق بالدولة من دون موافقته. ناهيك عن سيطرته التامة على “الحرس الثوري” الذي يعد أكثر قدرة وفاعلية من الجيش الإيراني.
ويعود جزء كبير من ذلك إلى طبيعة المذهب الشيعي وتحديدا بعد تبني نظرية “ولاية الفقيه”، ذلك أنه “ينوب الولي الفقيه عن الإمام الغائب في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض” بحسب المذهب.
وكثرت التكهنات حول من سيرث منصب المرشد الأعلى بعد وفاة علي خامنئي، وعلى الأقل ثمة أربعة مرشحين للمنصب.
رحيل خامنئي لن يغير كثيرا في سياسيات طهران مع دول الجوار العربي، وحتى مع دول أكثر بعدا عن حدودها، فالمؤسسة الدينية هي الحاكم الفعلي ومن خلفها أو من أمامها يقف “الحرس الثوري” الذي هو أكثر أهمية من الجيش ومن باقي مؤسسات الدولة.
وربما تبدو مشكلة خلافة خامنئي هي عدم وجود شخصية تتمتع بالكاريزما التي تمتع بها خامنئي، فبحسب مهدي خلجي من “معهد واشنطن”، فقد “همش خامنئي الجيل الأول للسياسيين الثوريين وخاصة أكبر هاشمي رفسنجاني ومير حسين موسوي،. وفي الوقت ذاته، أعاد خامنئي تشكيل الطيف السياسي بترقية جيل جديد من السياسيين الذين يدينون له بالولاء”.
وباغتيال خامنئي سيقود المرحلة الانتقالية في إيران، رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية، وعضو من مجلس صيانة الدستور، ويبدو أن كل شيئ أعد له مسبقا ولن يحدث أي خلل في استقرار الدولة.