غزة بعد الحرب.. أوهام الاحتلال تتبدد وصمود المقاومة يفرض المعادلة
السبيل – خاص
في مقالٍ لافت نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” قدّم المستشرق الإسرائيلي مايكل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة “تل أبيب” والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، اعترافاً غير مسبوق بحجم الارتباك الذي يعتري الكيان في إدارة ملف غزة، واصفا المشهد بـ”فقدان البوصلة”.
ويشير ميلشتاين إلى ما سماه “فجوة مزدوجة تتسع باطراد” بين الأهداف التي حدّدها الاحتلال في غزة وبين الواقع الميداني، وكذلك بين نهج بنيامين نتنياهو ونهج بقية العالم، “بما في ذلك الرئيس ترامب”. ويعكس هذا التوصيف إقرارًا ضمنيًا بأن الحرب لم تُفضِ إلى تحقيق الأهداف المعلنة، وعلى رأسها القضاء على حركات المقاومة وعلى رأسها “حماس” أو فرض واقع سياسي جديد في القطاع.
فبحسب المقال “هيمنة حماس على غزة ما زالت قائمة، وتشكيلها لوعي الفلسطينيين” مستمر، رغم شهور طويلة من العمليات العسكرية. وهذا الإقرار في حد ذاته؛ يُعد مؤشرًا على أن رهان الاحتلال على الحسم العسكري لم يُثمر، وأن المقاومة ما زالت تمسك بمفاصل التأثير الداخلي.
أوهام ما بعد الحرب
ويؤكد ميلشتاين أنه “كما كان الحال طوال الحرب، لا يوجد نقاش معمق الآن حول مسألة ما بعد الحرب، وكالعادة تحل الأوهام والشعارات محل السياسة الرصينة” وفق تعبيره.
وينسف هذا النقد سردية الاحتلال الرسمية التي تتحدث عن خطط بديلة، ويكشف أن الحديث عن “احتلال طويل الأمد” أو “إعادة الاستيطان” أو حتى “إخراج الفلسطينيين” يندرج في إطار المزايدات السياسية أكثر منه في إطار استراتيجية قابلة للتطبيق.
ويمكن قراءة هذا التخبط باعتباره نتيجة مباشرة لصمود المقاومة الميداني والسياسي. فلو كان الكيان قد نجح في تفكيك البنية العسكرية والتنظيمية للمقاومة؛ لكان النقاش اليوم يدور حول ترتيبات انتقالية واضحة، لا حول “مليشيات مشبوهة” يجري التعويل عليها كبديل، كما يذكر المقال.
تآكل هامش المناورة
ويتحدث ميلشتاين عن تسارع النقاش حول “القوة متعددة الجنسيات”، وجمع الأموال لإعادة الإعمار “حتى دون تحقيق نزع سلاح” المقاومة، مع عودة قطر إلى الواجهة. كما يشير إلى أن “إسرائيل” قد تُجبَر على قبول “إملاءات ترامب”، بما في ذلك تعزيز إعادة الإعمار، وقبول حكومة تكنوقراطية، وربما الاكتفاء بتفكيك “حماس” من “الأسلحة الثقيلة فقط”.
وتعني هذه المعطيات أن البيئة الدولية لم تعد تمنح الكيان حرية مطلقة في مواصلة الحرب أو إعادة هندسة غزة وفق رؤيتها. بل إن فكرة الاكتفاء بنزع “الأسلحة الثقيلة” تُعد تراجعًا واضحًا عن شعار “القضاء التام على حماس”، وتكرّس واقعًا مفاده أن المقاومة ستبقى فاعلًا سياسيًا وأمنيًا، حتى لو تغيّرت الصيغ الشكلية للحكم.
ويشير المقال إلى تعزيز جيش الاحتلال وجوده على ما يُسمّى “الخط الأصفر” الذي يقسم القطاع، باعتباره تطبيقًا لـ”مفهوم أمني جديد” يتطلب وجودًا في عمق أراضي “العدو”. لكنه يحذّر من أن هذا المفهوم يقوم على افتراض غياب الضغوط الخارجية، وعلى استعداد للعودة إلى “القتال العنيف” مستقبلًا.
ويبدو أن هذا “الخط” ليس سوى محاولة لخلق إنجاز رمزي يعوّض الإخفاق الاستراتيجي. فالبقاء الطويل في عمق غزة، كما يعترف ميلشتاين، قد يفضي إلى “اشتباكات متكررة، وانحرافات خطيرة عن القيم، ومغامرات طائشة”، بل إلى “انقسام داخلي حاد”. أي أن كلفة الاحتلال المباشر قد تصبح عبئًا سياسيًا وأمنيًا داخليًا.
ويلفت ميلشتاين إلى “عجز مزمن عن الاعتراف بالإخفاقات، وعرض الحقيقة المعقدة على الرأي العام”، بما في ذلك التحقيق في جذور فشل السابع من أكتوبر. ويقرّ بأن “إنهاء الحرب فُرض على تل أبيب رغماً عن إرادة الحكومة”، وأن مشاريع رُوّج لها، مثل “صندوق غزة الإنساني” قد انهارت.
ويعكس هذا الاعتراف مأزقًا مركّبًا، فالمؤسسة السياسية تخشى المصارحة لأنها قد تفتح الباب لمساءلة داخلية واسعة، في حين أن استمرار الإنكار يفاقم التآكل في الثقة العامة. وفي المقابل؛ تستثمر المقاومة هذا التناقض، عبر ترسيخ رواية مفادها أن المعركة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت معركة إرادات وصمود.
بين التدويل وصمود المقاومة
ويشير المقال إلى أنه “بسبب العناد الناجم عن اعتبارات حزبية، يتضاءل نفوذ تل أبيب في القطاع في ظل التدويل المتزايد”، وأنه “لا يوجد خيار مثالي”، مرجّحًا أن يكون أهون الشرّين هو القبول بحكومة تكنوقراط.
وفي ضوء ذلك؛ يمكن القول إن المقاومة، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي تكبّدها القطاع، نجحت في منع فرض صيغة استسلام سياسي شامل. فبقاء الحديث عن حكومة تكنوقراط، أو قوة متعددة الجنسيات، أو صيغة معقدة لنزع جزئي للسلاح، يعني أن الاحتلال لم يتمكن من فرض شروطها القصوى.
المقال لا يصدر عن جهة فلسطينية أو داعمة للمقاومة، بل عن باحث إسرائيلي يكتب في صحيفة مركزية. ومع ذلك؛ فهو يقرّ بأن “إسرائيل فقدت البوصلة” في غزة، وأن الفجوة بين الشعارات والواقع تتسع، وأن “تل أبيب” قد تجد نفسها مضطرة لتلقي “إملاءات” خارجية.
ويبدو أن هذا التخبط نتيجة طبيعية لصمود ميداني حال دون تحقيق الحسم، وفرض معادلة جديدة تجعل أي ترتيبات قادمة نتاج توازنات قسرية، لا إملاءات أحادية. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل يستوعب الاحتلال هذه التحولات، أم يستمر في الدوران داخل حلقة الشعارات، فيما تتآكل قدرته على فرض الوقائع؟