“مسيرة الإذلال”.. مشاهد من داخل «سجون بن غفير»
كتب: عامر أبو عرفة
[*] صحفي وأسير محرر
هناك مشاهد في سجون الاحتلال الإسرائيلي لا تغادر الذاكرة، لا لأنها الأكثر دمًا، بل لأنها الأكثر إذلالًا وإهانة. مشاهد لا تُرى بالعين فقط، بل تستقر في الروح وتبقى هناك؛ ثقيلة، صامتة، كحجرٍ وُضع في القلب ولم يُرفع.
في ما يُسمّى بـ«سجون بن غفير»، كما يحب أن يطلق عليها، تتعدّد أشكال التعذيب: الجوع، الضرب، الغاز، القيود البلاستيكية لساعات طويلة، القيود الحديدية في الأيدي والأرجل، إنزال الرأس قسرًا، والعقاب بالانبطاح على البطن في ساحة مفتوحة أمام الجميع.
ورغم كل هذه الأشكال من التعذيب، يظل الإذلال المتعمَّد هو الأقسى؛ ذاك الذي لا يوجِع الجسد فقط، بل يعلّمك كيف يُكسَر الإنسان ببطء.
منذ اللحظة الأولى لدخولنا سجن نفحة، بدأ درس الإهانة والإذلال المتعمَّد. نحو ثلاثين أسيرًا قُيِّدوا من الخلف بالكلبشات الحديدية، وشُدّت القيود على الأرجل حتى سالت الدماء من أقدامنا جميعًا، بلا استثناء.
أُغمِضت أعيننا، ثم مُدّ حبل الإطفائية من أول أسير إلى آخره، وربطنا به، لا كأفراد، بل كجسدٍ واحدٍ يُسحَب. جُرِرنا من زنازين الانتظار في سجن رامون إلى سجن نفحة، مسافة طويلة، لكنها بدت أطول من العمر نفسه.
كانت شرطة إدارة السجون تحيط بنا، تضرب بالعصي، تصرخ، وتستخدم كلمات تُقال للحيوانات: «هش» و«حيّي». قالوها وهم يضحكون، كأن الألم نكتة، وكأن الإنسان مادة للسخرية.
بيننا مرضى، وكبار في السن، وأجساد أنهكها السجن أصلًا. لم يكن ذلك مهمًا، كلما زاد الوجع، زادت ضحكاتهم، كلما تعثّر جسد، وعلا صوت الألم، اشتدت السخرية. كان الإذلال مقصودًا، مدروسًا، يُمارَس ببرودٍ كامل.
وهذه الرحلة لا تحدث مرة واحدة؛ تتكرر عند الخروج لزيارة المحامي، أو عند التوجّه إلى المحاكم. في زنازين مخصّصة لهذا الغرض، يُترك الأسير مقيّدًا من الخلف بالقيود الحديدية لساعات طويلة، لا تقل عن ست ساعات، وقد تمتد لأكثر من أربع عشرة ساعة. الزمن هناك لا يتحرّك، والقيود لا تلين، والألم يصبح رفيق الانتظار.
وما يجعل هذه المعاناة أكثر قسوة، أن زيارة المحامي ليست ترفًا، بل هي النافذة الوحيدة على العالم. هي الطريق الوحيد لمعرفة أخبار الأهل، أولئك الذين تنقطع أخبارهم تمامًا: لا رسائل، لا مكالمات، لا صوت. فقط كلمات المحامي، التي تصل متأخرة أشهرًا، محمّلة بأخبار الأمهات، والآباء، والأطفال، والبيوت التي تنتظر.
ومع كل هذا الشوق، ومع هذا الجوع والتلهّف للأخبار، بدأ بعض الأسرى يطلبون من محاميهم ألّا يعودوا لزيارتهم، ليس لأنهم لا يريدون معرفة أخبار أهلهم، بل لأن ثمن المعرفة بات قيودًا حديدية، وقطرات من الدم، وساعاتٍ من الألم، وممرّاتٍ من الإذلال.
في السجن، لا يُعاقَب الإنسان على جسده فقط، بل يُعاقَب على شوقه. يُعاقَب لأنه يريد أن يعرف إن كانت أمه بخير، أو إن كان أبوه ما زال ينتظر، أو إن كان طفله ما زال يذكر ملامحه.
هنا، يصبح الحنين نفسه جريمة، وتصبح الكرامة، في كل مرة، أول ما يُسحَب مع القيود.
