فواتير الكهرباء وغياب الصحافة
عبد الله المجالي
تثير فواتير الكهرباء لشهري 12 و1 جدلا كبيرا بين الأردنيين، وهناك اتهامات مباشرة لشركة الكهرباء بتحميل الفاقد خلال السنة إلى المواطنين، فيما تنفي الشركة هذا الأمر بشكل قطعي.
مجلس النواب دخل على الخط مع كثرة الشكاوى المقدمة من المواطنين، أما الفضاء الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي فتعج هي الأخرى بعشرات الأمثلة على ارتفاع غير مبرر في فواتير الكهرباء.
وكالعادة فإن الحقيقة هي الضحية دائما، فلن يلبث هذا التذمر وتلك الشكاوى إلا أن تنتهي مع مرور الوقت وخروج قصة أخرى، أو ما يعرف بلغة مواقع التواصل الاجتماعي “ترند”، تغطي عليها، دون أن نعرف مع من كان الحق؛ أهو مع المواطنين المشتكين أم مع الشركة؟
في “الترند” القادم سيكون ذات التعامل؛ انفجار لمشكلة ما، انتشار هائل لشكاوى على مواقع التواصل، تدخل نيابي، نفي حكومي أو مجرد تحقيق، تنفيس وانتهاء القضية دون معرفة تفاصيل التحقيق فيها.
هنا نلحظ غياب الصحافة الحقيقية، وغياب أحد أبرز أشكالها وهو التحقيق الاستقصائي.
التحقيق الصحفي والتحقيق الصحفي الاستقصائي هو الرد المناسب على التضليل الإعلامي وثقافة “الترند”، لكنه اليوم في موقف ضعيف جدا في غياب المؤسسات الإعلامية ووسائل الإعلام الرصينة التي لم تستطع الصمود أمام اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي الأقل كلفة والأقل فحصا وتمحيصا، والتي جعلت من الجماهير صحفيين وإعلاميين لكن دون أدنى رصيد صحفي ومهني.
الصحافة الاستقصائية تسعى إلى سبر غور القضية للوصول إلى الحقيقة، عبر أدوات التحقق والتوثيق، وليس عبر الإشاعات والكلام المرسل. وهو عمل يشبه تماما عمل لجان التحقيق التي قد تشكلها أي جهة.
في ملف مثل ارتفاع فواتير الكهرباء شهري 12 و1، يسعى الفريق الصحفي للتحقق أولا من صحة فرضية ارتفاع فواتير الكهرباء لشهري 12 و1 بشكل غير طبيعي مقارنة بالأشهر السابقة عبر دراسة عدد كاف من الفواتير وفي مناطق مختلفة، وإن تأكد الفريق من صحة هذه الفرضية، ينتقل للمرحلة الثانية لدراسة سبب الارتفاع، وهل سبب الارتفاع هو زيادة الاستخدام أو سوء التوصيلات وذلك عبر جولات ميدانية وتوجيه الأسئلة والاستعانة بمختصين، وإذا تبين أن الاستخدام كان طبيعيا وأن لا مشاكل أخرى، فإن الفرضية الأخرى هي أن ارتفاع الفواتير يتعلق بالشركة المزودة للخدمة، وهنا تبدأ المرحلة الثالثة في التحقيق والتي تبدأ بدارسة موضوع التحقيق والاستعانة بخبراء لتجهيز الأسئلة التي يجب طرحها على مديري شركة الكهرباء، ومحاولة الوصول إلى وثائق من داخل الشركة لتفسير هذا الارتفاع.
ومع غياب الصحافة الورقية وحتى الإلكترونية، طغت وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي على ما تحمله من مخاطر كبيرة على صعيد التضليل الإعلامي، وهيمنة ما يسمى “الترند”، ما أدى إلى غياب الصحافة المهنية المحترفة، وبقينا أسرى للتضليل الإعلامي وثقافة “الترند” والوجبات الإعلامية السريعة.