“الملثم”: الرحيل الموجع (صور)
بقلم: علي سعادة
نُسِجت له بخيوط من حرير، مغلفةٍ بقليل من نكهات البساطة والعفوية، بعضُ الأهازيج والأغاني، وتقول واحدة من الأغاني الخاصة به: “يا ملثم يا أبو الكوفية يا رعب اليهود.. يا أبو عبيدة الهمة قوية تصريحك بارود”.
وذات يوم نقل الصحافي الكويتي سعد السعيدي عن رجل ثمانيني قوله بأنه ينتظر “أبو عبيدة” كل يوم، ولا يستمع إليه إلا واقفا.
لا معلومات ولا تفاصيل تصلح لكتاب تقرير أو نص حوله، فما يتوفر عنه لا يتجاوز المسافة صفر بلغة الصحافة، أو بلغة المقاومة، وكل ما ينشر حوله اجتهادات وثرثرة منصات تواصل، بحاجة إلى تأكيد ومصادر.
لم يرَ شخص ما وجهه قبل أن تنعاه كتائب القسام أمس الاثنين، واسمه وهويته الحقيقية ظلا مجهولين.
يعرفه الجميع، ولا يعرفه أحد حقاً، ربما يعرفه القلائل جدا من ضمن الحلقة الضيقة في كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).
معروف لقبا وحضورا وتأثيرا، فالجميع يترقبون ظهوره وإذا تأخير في الظهور يفتقده الكثيرون، كما لو كان نجمهم المفضل الحاضر الغائب.
كل فلسطيني وعربي وحتى الإسرائيليين أنفسهم ينتظرون كلمته التي لا تخلوا من البيان واللغة الفخمة المحبوكة بعناية ودقة مدهشة، بوصفه المتحدث العسكري باسم كتائب القسام، ورغم أنه يبدو بـ” منصب” وزير الإعلام، غير أنه في الواقع قائد ميداني من أوائل المطلوبين في قوائم الاغتيال الإسرائيلية؛ كونه العنصر الرئيسي في الحرب النفسية التي تفرضها المقاومة على دولة الاحتلال.
أحد الأشخاص الأكثر شهرة، وهي شهرة لم يطلبها على أية حال، ولا يكترث بها، ورغم ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام أصبحت صورة وجهه المغطى بكوفية حمراء مشهدا اعتياديا على شاشات التلفزيون وفي منصات التواصل.
وفقا لمصادر فلسطينية بأنه ولد في السعودية، وأصوله من بلدة نعليا قضاء غزة التي احتلت عام 1948، وسكن في جباليا شمال شرقي غزة، وقصف منزله من قبل الاحتلال أكثر مرة تعرض منزله للقصف أكثر من مرة (2008، 2012، 2014، و2023)، ما يرجح أنه من الشخصيات المدرجة في “بنك” أهداف الاحتلال.
تقول مصادر فلسطينية إنه حاصل على شهادة الماجستير من كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية، وكان يحضر لنيل شهادة الدكتوراة.
ويقول بعض النشطاء إنه مصاب بنحو 5 إصابات نارية في رجليه وظهره، وفقد زوجته الحامل وبناته تحت القصف الإسرائيلي لغزة في وقت سابق.
الظهور الأول له كان ما بين عامي 2002 و2003 كأحد مسؤولي “القسام” الميدانيين، ومنذ البدايات لم يظهر أبدا مكشوف الوجه مقتديا بالقيادي السابق في “القسام” عماد عقل الذي استشهد عام 1993، وكان ينفذ جميع عملياته معتمرا كوفية حمراء.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005 عين “أبو عبيدة” رسميا ناطقا باسم “القسام”. في العام التالي سيبدأ الاحتلال بمراقبته من كثب فقد انتبه إليه الإسرائيليون بعد اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006 حيث أعلن “أبو عبيدة” تنفيذ المقاومة عملية “الوهم المتبدد” التي أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وأسر شاليط.
وتعود كنية ” أبو عبيدة” لأحد العشرة الأوائل من أصحاب النبي الذين بشروا بالجنة، حيث أصبح “أبو عبيدة” عامر بن الجراح قائدا عسكريا، وكان من المقربين من الخليفة عمر بن الخطاب، وحمل لقب “أمين الأمة”.
“أبو عبيدة” هو “مبعوث” وناطق رسمي ينقل رسائل المقاومة إلى الشعب الفلسطيني وإلى العالم. وبخلاف معظم الناطقين، فهو يقوم بعمله بلغة عربية طليقة بشكل ملحوظ، وبالكثير من الكاريزما التي تنجح في تجاوز الكوفية التي تغطي وجهه باستثناء عينيه.
وسيتحول “أبو عبيدة” إلى ظاهرة إعلامية واسعة النطاق يترقبها الكثيرون، فهو كان يجري المقابلات الصحفية مع وسائل الإعلام العربية والعالمية، يبث مقاطع الفيديو، يعقد المؤتمرات الصحفية التي يحرص فيها على فضح جرائم الاحتلال والحديث بإسهاب عن شروط المقاومة.
الإسرائيليون وهم الخبراء في الحروب النفسية والإعلامية لم يتركوا “أبو عبيدة” دون أن يحاولوا استفزازه للظهور العلني، فقد نشرت مواقع الإعلام العبرية سابقا صورة محتملة له، وهو ما نفته مصادر مقربة من المقاومة التي أكدت أن الصورة غير صحيحة، وأن الهدف من نشر الصورة كان استخباريا.
“القسام” كشفت وقتها بأن الإعلام العبري نشر الصورة بإيعاز من “الشاباك”، بعد أن تم تزييفها وتركيبها كما لو أن الشخص المتحدث فيها كان يتحدث عبر قناة الأقصى.
وأضافت أن “وجه أبي عبيدة لا يعرفه سوى قليلون، لم ولن يظهر لوسائل الإعلام، ومنذ سنوات وجيش الاحتلال يحاول بشتى الطرق الوصول إليه، بعدما عجزوا طوال الفترة الماضية عن تحديد هويته وملامح وجهه”.
ورغم كراهية الاحتلال له، ومحاولات التقليل من تأثيره في الرأي العام، لكنه يملأ المكان والزمان العربي والعالمي، والبيانات التي تمر من خلاله أكثر دقة ومصداقية من التقارير التي تصدر عن الاحتلال الذي يتخبط تحت وابل من صواريخ المقاومة وحجم الخسائر البشرية والإعلامية وفي الرواية التي يتكبدها في كل لحظة.
حتى أن المراسلة العسكرية الإسرائيلية غيلي كوهين أعلنت أن “الجمهور الإسرائيلي يثق بتصريحات الناطق باسم القسام أكثر من الناطقين الرسميين الإسرائيليين”.
يختتم خطابه عادة بالجملة المشهورة: “وإنه لجهاد نصر أو استشهاد”، المأخوذة عن الشهيد عز الدين القسام قبيل استشهاده في معركة أحراش يعبد عام 1935. والقسام، هو مجاهد عربي ولد في بلدة جبلة من أعمال اللاذقية بسوريا.
بعد “طوفان الأقصى” عاد “أبو عبيدة” ليتصدى للرواية الإسرائيلية والغربية الزائفة، قائلا إن عدد القتلى والأسرى من الضباط والجنود الإسرائيليين أكثر بكثير مما يعتقد بنيامين نتنياهو، وهم موجودون في كل محاور قطاع غزة. وخاطب نتنياهو: “عليك أن تعد جنودك جيدا، فلا تخطئوا التقدير”.
“أبو عبيدة” أو “الملثم”، كما يلقبه كثيرون، رمز للمقاومة الفلسطينية وجزء من أسطورة غزة، التي كسرت أسطورة تل أبيب وجيشها الذي لا يقهر.
لا يزال الناس يتلهفون لسماع خطبه البليغة فهو “مُهدِّئ” للأعصاب، ويلقي سكينة على الروح، عبر امتصاص القلق وبث الأمل في الناس مازجا بين الشحنة العاطفية واللغة الرصينة، مع الحرص على المشاعر والصدق في كل كلمة.
في خطابه الأخير خاطب الشعوب والمسؤولين العرب والمسلمين قائلا “انتم خصومنا أمام الله “.
غيابه عن المشهد سيفقد المواطن الفلسطيني والعربي مقعده أمام الشاشة الذي اعتاده وهو يتابع التصريحات التي كانت بارودا على العدو، وبردا وسلاما على قلوبنا.








