رهف أبو جزر.. رحيل هادئ في ليل بلا دفء وعالم بلا حياء
السبيل – خاص
لم يكن ليلُ خان يونس سوى صفحةٍ أخرى من صقيعٍ ينهشُ ما تبقّى من حياةٍ هشة في خيام النازحين. وفي زاويةٍ معتمة من المخيم؛ أسلمت الطفلة رهف أبو جزر (8 أشهر) أنفاسها الأخيرة، بعد معركة غير متكافئة مع البرد القارس؛ بردٌ لم يجد أمامه إلا جسداً غضّاً، وقطاعاً محاصراً، وعالَماً تجمّد ضميره منذ زمن.
تقول المصادر الطبية إن رهف وصلت وقد غلب عليها البرد، كأن جسدها الصغير أعلن استسلامه قبل أن يُسمع صوتُها الأخير.
لم تكن قصتها استثناءً، بل مرآةً مُفجعة لما يعيشه أطفال غزة الذين حُشروا في خيام لا تُقاوم الريح ولا المطر، في أرضٍ تُغرقها العواصف ويغيب عنها الدفء والدواء والملاذ الآمن.
ومع انهمار المطر على القطاع، أكدت “الأونروا” أن الأزمة الإنسانية تتعمق مع كل قطرة. فالمياه التي تغمر الشوارع تتسلل إلى الخيام؛ تبلل البطانيات القليلة، وتترك الأطفال في مواجهة مباشرة مع البرد والجوع والمرض.. ازدحام المخيمات، وانعدام النظافة، وغياب التدفئة بفعل شح الوقود، كلها عوامل تحوّل الشتاء إلى عدوٍّ لا يُهزم.
ومع ذلك؛ فإن المأساة الكبرى لم تكن في برودة الجوّ وحده، بل في التجمّد العربي والدولي الذي أحاط بقصة رهف وغيرها من الأطفال.. لا صرخاتهم تُسمع، ولا موتهم يوقظ أصحاب القرارات الثقيلة، كأن صقيع السياسة أشد من صقيع الطقس، وكأن موت طفلة أخرى لا يكفي لكسر هذا الصمت الذي طال أكثر مما يجب.
“الأونروا” أطلقت صرختها بوضوح: كان بالإمكان إنقاذ هؤلاء الصغار لو أن المساعدات وصلت دون عوائق، ولو مُنحت العائلات الحدّ الأدنى من مقومات البقاء. لكن رهف رحلت قبل أن تصل أي يد، وقبل أن يتذكر العالم أن في غزة أطفالاً لا يحملون سوى حق الحياة.
رحلت رهف.. وتركت خلفها سؤالاً معلّقاً في هواء بارد: كم من الأطفال يجب أن يسبقوا الشتاء إلى رحيلهم حتى يذوب هذا الجمود القاتل؟