غزة.. حين ينهض الموت من تحت الأنقاض
السبيل – خاص
لم يكن مساء الاثنين مختلفًا عن غيره في حي النصر غرب مدينة غزة؛ فالموت ما زال يتجوّل بين الركام، يبحث عن ثغرة يطلّ منها. وفي لحظة خاطفة؛ هزّ انفجار عنيف أرجاء الحي، ليقتل فلسطينيين اثنين ويصيب آخرين، في حادث قالت أجهزة الدفاع المدني إنه ناجم عن مخلفات حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال على القطاع.
المنزل الذي شهد الانفجار يعود لعائلة الفيري، مبنى متعدد الطوابق كان قد أُنهك خلال أشهر القصف، وبقي شاهداً على ما خلّفته الطائرات والمدافع من ندوب عميقة في الحجر والبشر.
وبين الجدران المتصدعة؛ كانت بقايا المتفجرات مطمورة كأنها تنتظر حركة عابثة، أو يد طفل لا يعرف أن اللعب في غزة قد يفتح باباً إلى الموت. وما إن عبث بعض الأطفال بهذه المخلفات، حتى دوّى الانفجار، تاركاً خلفه صراخاً، وغباراً كثيفاً، ووجوهاً مذهولة تبحث عن ناجين تحت الركام.
وزارة الداخلية في غزة قالت إن انفجاراً داخل منزل في حي النصر تسبب بمقتل اثنين وإصابة آخرين، مؤكدة أن الأجهزة المختصة تتابع مجريات الحادث للكشف عن تفاصيله.
أما الدفاع المدني؛ فأعاد التذكير بخطورة هذه المخلفات، مؤكداً أن طواقمه تتعامل يوميًا مع أجسام متفجرة تركها الاحتلال خلفه، بعضها مموه، وبعضها مخبأ داخل أبسط الأشياء: علبة معدنية، لعبة صغيرة، أو قطعة بلاستيكية قد تجذب طفلًا لا يدرك ما تخفيه.
وفي اليوم ذاته؛ أصيب ثلاثة أطفال آخرين في انفجار جسمين من مخلفات الاحتلال في منطقتي الشاطئ الشمالي وحي التفاح، في تكرار مؤلم لحوادث باتت جزءاً من حياة سكان القطاع منذ أن سُجّل وقف إطلاق النار. فالموت هنا لا يحتاج إلى صاروخ جديد؛ تكفي قذيفة غير منفجرة، أو سلك معدني يلمع تحت الشمس، ليحوّل محيط الأطفال إلى ساحة كارثة جديدة.
مصادر محلية كانت قد أكدت سابقًا أن مناطق الانسحاب امتلأت بقذائف غير منفجرة وأجسام مفخخة مموهة، بعضها على هيئة ألعاب أو علب غذائية، تركها الاحتلال خلفه كحزام ناسف معلّق فوق حياة المدنيين.
وتُظهر تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي وجود نحو 20 ألف قذيفة غير منفجرة موزعة في أنحاء القطاع، ما يجعل كل شارع وكل منزل وكل ركن محتملًا لسيناريو انفجار جديد.
ومع تزايد الإصابات والضحايا، دعت حركة “حماس” المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل لإزالة هذه المواد التي وصفتها بـ”القنابل الموقوتة”، محذّرة من أن استمرار وجودها يعني أن الخطر سيظل يلاحق الفلسطينيين في بيوتهم كما في الطرقات.
في غزة؛ لا تنتهي الحرب حين يسكت القصف؛ بل تظل بقايا الحديد الممزق تختبئ تحت الرماد، تنتظر أن تفتح عيونها من جديد. وبين كل حادث وآخر؛ يكتشف أهل القطاع أن ركام الحرب لا يطمر الذكريات فحسب، بل يترك خلفه موتًا بطيئًا يتربص بأطفال يبحثون عن مساحة لعب، في مدينة حُوّلت أرضها إلى خرائط للألغام.