الأخبار

وثيقة مقاومة في زمن الإبادة.. قراءة في مذكرة “حماس” الأخيرة

سبتمبر 14, 2025 10:23 م
حماس

السبيل – خاص

وجهت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” مذكرة عاجلة إلى وزراء الخارجية العرب والمسلمين، وإلى المنظمات الإقليمية والدولية، عقب محاولة الاحتلال الإسرائيلي اغتيال وفدها المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة.

وفي هذه المذكرة؛ حمّلت الحركة حكومة الاحتلال “المسؤولية الكاملة عن إفشال جهود وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى”، مشيرة إلى أن الهجوم وقع بعد يوم واحد من لقاء الوفد المفاوض برئيس الوزراء القطري وتسلمه مقترحاً جديداً للتهدئة.

وقد أرادت “حماس” أن تؤكد من خلال هذه الخطوة أن الاحتلال لم يعد يستهدف الشعب الفلسطيني فحسب، بل بات يعتدي على سيادة دول عربية، في تحدٍّ مباشر للقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.

انتهاك السيادة ومحاولة إجهاض الوساطة: 

اعتبرت المذكرة أن “هذا الاعتداء الغادر يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة قطر، الدولة الوسيطة في المفاوضات”، وهو تعبير يسلط الضوء على أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد عملية اغتيال لقيادي فلسطيني، بل هو عدوان سياسي وأمني على دولة ذات سيادة.

فقد أرادت “إسرائيل” أن تبعث برسالة واضحة للوسيط، مفادها أن أي جهد دبلوماسي لإنهاء العدوان سيواجه بالرصاص والصواريخ. وبذلك؛ وضعت الدوحة أمام اختبار صعب، لكنها في الوقت نفسه عززت مكانة قطر باعتبارها دولة دفعت ثمناً مباشراً لدورها في الوساطة.

كما أن استهداف منزل رئيس الوفد المفاوض خليل الحية، وارتقاء نجله ومدير مكتبه وثلاثة من المرافقين، بالإضافة إلى أحد أفراد الحماية القطرية، يثبت أن العدوان لم يكن عشوائياً، بل مدروساً بعناية لتصفية القيادة المفاوضة وإرباك الدوحة داخلياً وخارجياً. وهذا البعد يجعل الاعتداء ذا طابع استراتيجي، يهدف إلى نسف الثقة بين المقاومة والوسيط، ودفع قطر إلى الانكفاء عن دورها.

ولعل الأخطر أن الاحتلال وسّع عملياته إلى قلب العاصمة القطرية بعد أن وسّعها سابقاً لتشمل إيران ولبنان وسوريا واليمن. وبهذا تتحول مذكرة “حماس” إلى توثيق لسياسة إسرائيلية تتعمد خرق سيادة الدول العربية والإسلامية من دون رادع. ومن هنا يصبح الدفاع عن المقاومة متداخلاً مع الدفاع عن السيادة الوطنية للدول التي تتعرض لاختراق إسرائيلي مباشر.

شرعية المقاومة مقابل إفلاس الاحتلال:

نصت المذكرة على أن حماس “حركة تحرر وطني منتخبة، تسعى لإنجاز حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، ولا يجوز اعتبار قادتها أهدافاً عسكرية لتبرير جرائم الاحتلال”.

ويعيد هذا الإعلان وضع الأمور في نصابها، فالمقاومة تمثل مشروعية شعب يسعى للاستقلال، بينما الاحتلال يمارس أبشع صور الإبادة والتهجير، وإن محاولة إسرائيل تبرير اغتيال قادة الحركة باعتبارهم “أهدافاً عسكرية” لا تصمد أمام القوانين الدولية، التي تجرّم استهداف المفاوضين والقيادات السياسية.

وتذكّر المذكرة بأن “إسرائيل” انقلبت على اتفاق 17 يناير/كانون الثاني 2025 رغم التزام المقاومة ببنوده، وأنها اغتالت رئيس المكتب السياسي السابق إسماعيل هنية في طهران بعد موافقة الحركة على مبادرة وساطة.

وتقلب هذه الشواهد المعادلة، حيث يلتزم الطرف الفلسطيني، بينما الطرف الإسرائيلي يغدر وينسحب من أي تفاهم بمجرد أن يرى مصلحة في التصعيد. وبالتالي؛ فإن مذكرة “حماس” تفكك الخطاب الإسرائيلي الذي يتهم المقاومة بعرقلة التسويات، وتظهر أن الاحتلال هو من يسعى لتقويض كل مسار سياسي.

من جهة أخرى؛ أكدت المذكرة أن المقاومة بذلت “أقصى درجات المرونة لوقف الإبادة الجماعية”، وهو تصريح يثبت أن خيارها ليس القتال لذاته، وإنما لحماية المدنيين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهذا الموقف يضعف الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي، ويكشف أن الاغتيالات والمجازر ليست إلا وسيلة ممنهجة لإفشال أي تهدئة.

وهنا؛ تتضح المفارقة الكبرى، وهي أن الاحتلال لا يستطيع العيش من دون الحرب، بينما المقاومة تقاتل من أجل السلام العادل والكرامة الوطنية.

دعوة للمحاسبة والعزلة الدولية:

لم تقف المذكرة عند حدود التشخيص، بل دعت إلى “الضغط لوقف العدوان والإبادة”، و”مقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وعزلها دولياً”. وهذه المطالب تنقل الخطاب من موقع الدفاع إلى الهجوم السياسي، حيث يتم تحميل الكيان مسؤولية قانونية وأخلاقية عن الإبادة، مع الدعوة لاتخاذ إجراءات عملية لعزلها وفرض كلفة دولية على استمرار عدوانها.

إن إدراج هذه المطالب بشكل مباشر وصريح يعكس إدراك المقاومة لخطورة اللحظة، وإصرارها على عدم الاكتفاء ببيانات التنديد التي لم توقف مجزرة واحدة. فالدعوة إلى محاكمة قادة الاحتلال على جرائم الإبادة وانتهاك السيادة، هي خطوة تعيد تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عدالة دولية، وليست مجرد نزاع إقليمي.

كما أن التأكيد على أن “معركة الشعب الفلسطيني ومقاومته تهدف إلى تحرير الأرض، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وضمان عودة اللاجئين” يعطي لهذه المطالب إطاراً مشروعاً وواضحاً، بعيداً عن أي التباس.

فالمذكرة لا تتحدث عن أهداف تكتيكية آنية، بل عن رؤية تحررية متكاملة. وبهذا تتحول هذه الوثيقة إلى برنامج عمل جماعي للأمة، يدعو الحكومات والشعوب على السواء إلى مقاطعة الاحتلال ومحاصرته سياسياً واقتصادياً حتى يسقط مشروعه الاستعماري.

وختاما؛ فإن مذكرة حماس بعد محاولة اغتيال وفدها في الدوحة ليست بياناً عابراً، بل وثيقة سياسية استراتيجية تكشف طبيعة الصراع القائم. فالاحتلال يوسّع عدوانه ليطال العواصم العربية، ويفشل عمداً أي مسار تفاوضي عبر الاغتيالات، فيما ترد المقاومة بتثبيت شرعيتها السياسية والدعوة لمحاسبة المعتدي وعزله.

لقد وضعت حماس المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، مؤكدة أن مشروع نتنياهو “ماضٍ في الإبادة وتهجير شعبنا حتى النهاية”، وأن الرد لا يكون ببيانات الشجب، بل بالتحرك العملي لوقف الإبادة وإنهاء العربدة الإسرائيلية. وهنا تتجلى قوة المذكرة كوثيقة مقاومة، فهي تعزز الشرعية الوطنية، وتفضح الاحتلال، وتدعو الأمة والعالم إلى الاصطفاف في معركة تحرر عادلة لا تقبل التأجيل.

مواضيع ذات صلة
تقرير حقوقي: “إبادة تناسلية” ممنهجة تستهدف استمرار الوجود الفلسطيني
تقرير حقوقي: “إبادة تناسلية” ممنهجة تستهدف استمرار الوجود الفلسطيني

يوليو 1, 2026 5:25 م

السبيل اتهم تقرير حقوقي جديد، الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ ما وصفه بـ “الإبادة التناسلية” بحق الشعب الفلسطيني، عبر استهداف القدرة الإنجابية...
هل العزباء تورّث راتبها التقاعدي بعد وفاتها؟ توضيح من “الضمان”
هل العزباء تورّث راتبها التقاعدي بعد وفاتها؟ توضيح من “الضمان”

يوليو 1, 2026 4:59 م

السبيل  نشرت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي توضيحا عبر نافذة “غير صحيح” على موقعها الإلكتروني، وذلك ردا على معلومة متداولة تفيد...
مديح لا يُقصد به الثناء.. لماذا يمدح العدو “حماس”؟
مديح لا يُقصد به الثناء.. لماذا يمدح العدو “حماس”؟

يوليو 1, 2026 2:09 م

كتب: طارق حيدر قبل أن نُغري أنفسنا بما يبدو “مديحًا” لحركة حماس في الإعلام الإسرائيلي والغربي، يجدر أن نسأل: ما...
على يد أحد أتباعه.. مقتل حاخام يهودي بارز طعناً في نتانيا شمال دولة الاحتلال
على يد أحد أتباعه.. مقتل حاخام يهودي بارز طعناً في نتانيا شمال دولة الاحتلال

يوليو 1, 2026 1:56 م

الناصرة – وكالات ذكرت وسائل إعلام عبرية أن حاخامًا يهوديًا بارزًا قُتل، صباح اليوم الأربعاء، طعنًا بالسكين على يد أحد...
قناصة الاحتلال في غزة.. القتل بدافع التسلية وكسر الملل
قناصة الاحتلال في غزة.. القتل بدافع التسلية وكسر الملل

يوليو 1, 2026 1:51 م

غزة – وكالات تواجه آلاف العائلات النازحة في قطاع غزة فصلاً جديداً وقاسياً من الاستهداف المباشر، بعدما استحدث جيش الاحتلال...
كمين أمني في جرش يوقع بمطلوب مختفٍ محكوم بـ20 عاماً
كمين أمني في جرش يوقع بمطلوب مختفٍ محكوم بـ20 عاماً

يوليو 1, 2026 1:39 م

عمان – السبيل ألقى العاملون في إدارة التنفيذ القضائي، وبالتعاون مع مديرية شرطة جرش، القبض على مطلوب متوارٍ عن الأنظار،...