مديح لا يُقصد به الثناء.. لماذا يمدح العدو “حماس”؟
كتب: طارق حيدر
قبل أن نُغري أنفسنا بما يبدو “مديحًا” لحركة حماس في الإعلام الإسرائيلي والغربي، يجدر أن نسأل: ما الذي يدفع خصمًا شرسًا إلى الإشادة بقدرات عدوّه؟
في النزاعات، لا يأتي التعظيم بلا غاية فهو قد يكون أداة تهويل، أو تمهيدًا لسياسات أشد قسوة، أو وسيلة لتصفية حسابات داخلية. وما يبدو ثناءً على الحركة ليس سوى خطابٍ يُعاد تشكيله لخدمة أهداف لا علاقة لها بالإنصاف.
تشريع القتل والإجرام
يشير مفهوم “الأمننة” إلى تحويل قضية ما إلى “خطر وجودي” يبرّر إجراءات استثنائية للتعامل معه. حين يضخّ إعلام العدو صورةً متضخمة لقدرات حماس، فهو لا يهابها ولا ينصفها، بل يهيّئ بيئة خطابية تُسوّغ جرائمه.
كلما رسّخ صورة “المنظومة العسكرية المتطورة التي تهدد وجوده”، اتّسع هامش مشروعية القصف والتدمير، وتراجع أي صوتٍ يطالب بمساءلة ما يرتكبه.
في أواخر يناير 2026، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال كلمة له أمام مؤتمر “دافوس” في سويسرا، واصفًا مقاتلي الحركة بأنهم “وُلدوا والبنادق في أيديهم”، رابطًا قدراتهم بالفطرة. جاء هذا الخطاب في سياق ترويجه لخطة إدارته لوقف إطلاق النار وتأسيس ما سمّاه “مجلس غزة للسلام”، الهادف إلى إدارة القطاع ونزع سلاح الحركة تدريجيًا. التعظيم هنا ليس ثناءً، بل تبريرٌ لسياسة.
رسائل حزبية داخلية
حين تُعظّم صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية اليسارية المعارضة لحكومة نتنياهو قدرات حماس القتالية، فهي لا تمنح الحركة شهادة قوة، بل تستخدم هذا التعظيم في معركتها السياسية الداخلية: إذا كانت حماس بهذا الخطر، فكيف أخفقت حكومة نتنياهو في ردعها؟
الغاية الحقيقية هي إدانة نتنياهو ومؤسسته الأمنية، وتصويرهما أمام الرأي العام بالقصور والإهمال. المدح الظاهري ليس سوى طعنٍ سياسي يرتدي ثوب التحليل العسكري.
تعظيم العدو… إنجازٌ دبلوماسي مُصطنع
حين يُصوَّر الخصم بأنه شديد المراس وبارع في التفاوض، تصبح أي تسوية معه “إنجازًا استثنائيًا”.
هذا ما فعله الإعلام الغربي في تغطية مفاوضات غزة: تضخيم صورة حماس لم يكن تمجيدًا لها، بل درعًا سياسيًا لمن جلس على طاولة التفاوض. المنطق ذاته هو ما منح ترامب هالة «المفاوض العبقري»، فأخّر ملاحقته إعلاميًا وقانونيًا؛ فمن يروّض خصمًا عتيدًا لا يُستعجل في محاسبته.
الخاتمة
إن فهم هذا الخطاب يحرّرنا من ثنائية مرهقة: بين إغراء التعظيم الذي يُشبع رغبة إرعاب الخصم، وبين النفور من كل ما يصدر عن إعلام العدو.
والأخطر أن نقبل تصوير حماس كـ “جيش نظامي عبقري” فهذه الصورة، مهما بدت إطراءً، تنتزع عنها هويتها الأثمن: حركة تحرّر وطنية تنشد الحرية، لا كيانًا عسكريًا يُقاس بمعايير القوة المجردة.
مديح العدو لك هدية مسمومة؛ يصنع لك صورة تخدمه، لا صورة تعرّفك.