دور الدعم الأمريكي في استمرار المجاعة والإبادة في غزة
السبيل – خاص
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتعرض قطاع غزة لعدوان عسكري شامل رافقته سياسات ممنهجة من القتل الجماعي والتدمير والتهجير والتجويع، ما جعل من الوضع القائم إبادة جماعية متكاملة الأركان.
وبينما يواجه الفلسطينيون هذه الكارثة الإنسانية؛ يبرز الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي كعامل رئيسي في استمرار المأساة وتفاقمها، ليس فقط من خلال الإمدادات العسكرية والسياسية، بل أيضاً عبر الغطاء الدبلوماسي الذي يعرقل أي تحرك دولي جاد لوقف الجرائم.
فلقد سارعت الولايات المتحدة منذ بداية العدوان إلى تزويد الكيان بكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر المتطورة، شملت قنابل موجهة بدقة وصواريخ بعيدة المدى، تُستخدم في استهداف مناطق مكتظة بالسكان المدنيين في غزة. ولم تتوقف هذه الإمدادات طوال فترة الحرب، ما ضمن للاحتلال استمرار قدرته على شن هجمات مكثفة دون انقطاع.
ويأتي هذا الدعم في ظل علم واشنطن المسبق بالنتائج الكارثية لهذه العمليات، حيث أظهرت تقارير منظمات دولية أن نسبة كبيرة من الضحايا هم من النساء والأطفال. ورغم تزايد المطالبات الداخلية في الولايات المتحدة بوقف تصدير الأسلحة؛ استمرت الإدارة الأمريكية في تسريع شحنات الذخائر، متجاهلة دعوات مجلس الشيوخ وبعض الأصوات داخل الكونغرس.
كما ارتبط هذا الدعم العسكري باستخدام أسلحة ثقيلة في تدمير البنية التحتية الحيوية في غزة، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات، ما ساهم بشكل مباشر في انهيار المنظومة الصحية وخلق بيئة خصبة لانتشار الجوع والأمراض.
وتجاوز الأثر المباشر لهذا الدعم الجانب الميداني، حيث إنه عزز شعور الاحتلال بالحماية من أي تبعات قانونية أو سياسية، ومنحه مساحة أكبر للاستمرار في سياساته تجاه غزة بلا خشية من المحاسبة الدولية.
غطاء سياسي ودبلوماسي
وفرت الولايات المتحدة غطاءً سياسياً قوياً للاحتلال عبر استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإجهاض قرارات تدعو لوقف إطلاق النار أو لفتح ممرات إنسانية عاجلة. وحال هذا الموقف دون تبني أي قرارات ملزمة، وأبقى المجال مفتوحاً أمام استمرار الحصار والممارسات التي ترقى لجرائم حرب.
وفي الوقت نفسه؛ لعبت واشنطن دوراً بارزاً في التأثير على مواقف دول غربية أخرى، ما أضعف أي تحالف دولي يمكن أن يمارس ضغطاً حقيقياً على الاحتلال الإسرائيلي. وشكلت هذه المواقف السياسية المتسقة حاجزاً أمام أي تدخل دولي فاعل لحماية المدنيين، أو لتطبيق قرارات محكمة العدل الدولية.
ولم تكتفِ الولايات المتحدة بحماية الكيان المحتل من المساءلة، بل ساهمت في إعادة صياغة الخطاب الإعلامي الغربي لتقليل التركيز على معاناة المدنيين الفلسطينيين، وتضخيم السرديات الإسرائيلية الأمنية. ما سمح للاحتلال بمتابعة سياساته الإجرامية في غزة، دون خشية من عزلة دولية واسعة النطاق.
وكانت النتيجة حالة من الشلل في المنظومة الدولية، حيث تُفرغ مبادئ القانون الدولي من مضمونها بفعل ازدواجية المعايير، مما يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويمنح الاحتلال ضوءاً أخضر لمواصلة حصار وتجويع غزة.
دعم اقتصادي
إلى جانب الدعم العسكري والسياسي؛ توفر الولايات المتحدة تمويلاً مباشراً وغير مباشر لدعم الاقتصاد الإسرائيلي، بما يشمل مساعدات سنوية تصل إلى مليارات الدولارات، وهو ما يخفف العبء المالي عن “تل أبيب” في تمويل عملياتها العسكرية.
كما يشمل الدعم الأمريكي ضمانات قروض واتفاقيات تجارة حرة تتيح للاحتلال تجاوز بعض التحديات الاقتصادية الناتجة عن تكاليف الحرب، ما يمكّنه من الاستمرار في فرض الحصار على غزة دون ضغوط داخلية كبيرة.
ويسهم هذا الدعم المالي في تعزيز قدرة الاحتلال على التحكم في المعابر والموارد، بما في ذلك منع دخول المساعدات الإنسانية إلا بكميات رمزية، ما يُبقي الأزمة الغذائية في غزة عند مستوى كارثي.
إضافة إلى ذلك؛ تقوم الولايات المتحدة بتمويل مشاريع مشتركة مع الاحتلال في مجالات الأمن والتكنولوجيا، والتي تُستخدم بعض مخرجاتها في تطوير أدوات المراقبة والسيطرة على الحدود والمعابر، ما يعزز فعالية الحصار المفروض على غزة.
البعد القانوني والأخلاقي
ويثير الدعم الأمريكي المستمر للكيان، مع العلم الكامل بآثاره المدمرة على المدنيين في غزة، تساؤلات جوهرية حول مسؤولية واشنطن القانونية بموجب القانون الدولي الإنساني. فالمادة الأولى من اتفاقيات جنيف تُلزم الدول بعدم الإعانة أو المساهمة في انتهاكات جسيمة، في حين أن الممارسة الأمريكية الحالية تتعارض بوضوح مع هذا الالتزام.
إضافة إلى البعد القانوني؛ هناك البعد الأخلاقي، إذ تتناقض سياسات الدعم غير المشروط مع القيم المعلنة في الخطاب الأمريكي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتُفقد هذه الازدواجية الولايات المتحدة مصداقيتها كوسيط في أي عملية سلام أو كمدافع عن النظام الدولي القائم على القواعد.
كما أن الاستمرار في هذا النهج يضع الولايات المتحدة في دائرة الاتهام بالمشاركة الفعلية في جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكب في غزة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مطالبات قانونية دولية مستقبلاً.
في النهاية؛ إن إنهاء المأساة في غزة لن يكون ممكناً دون مراجعة جذرية للدور الأمريكي، ووضع حد لسياسة الدعم غير المشروط التي تمنح الاحتلال الإسرائيلي القدرة على الاستمرار في الحصار والتجويع والإبادة دون رادع.