بين الحاجز والمستشفى.. كان هناك جنين فقد فرصته في الحياة!
السبيل – خاص
لم تكن رحلة الوصول إلى المستشفى بالنسبة لفلسطينية من قرية قريوت جنوب نابلس مجرد طريق قصير لتلقي العلاج، بل تحولت إلى سباق مع الزمن على حاجز عسكري تابع للاحتلال.. كانت تحمل في رحمها جنينًا في شهره السادس، وتحمل معها أملا بسيطا في أن تصل الرعاية الطبية قبل فوات الأوان، لكن الحاجز كان أسرع من سيارة الإسعاف.
بين ألم النزيف وخوف الطاقم الطبي؛ توقفت سيارة الإسعاف عند حاجز عورتا. لم يكن داخلها سوى امرأة مريضة وأجهزة طبية ومسعفون يحاولون إنقاذ حياة، لكن جنود الاحتلال أجبروهم على إطفاء المحرك، رغم إبلاغهم بأن الحالة طارئة، وأن كل دقيقة تأخير قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
يقول المسعف بشار القريوتي إنهم أخبروا الجنود مرارا بأن المرأة “بين الحياة والموت”، إلا أن ذلك لم يغيّر شيئا. انتظر الطاقم تحت سلطة الحاجز العسكري، بينما كان النزيف يهدد حياة الأم وجنينها. وعندما سمح لهم بالعبور أخيرا؛ كانت المرأة قد فقدت جنينها، وإن تمكن الأطباء لاحقا من إنقاذ حياتها.
ليست القصة هنا قصة امرأة واحدة فقط، بل صورة مصغرة عن واقع يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية منذ سنوات.. واقع تتحول فيه الحواجز العسكرية من نقاط تفتيش إلى أبواب مغلقة أمام المرضى والحوامل والمصابين، وتصبح المسافة بين البيت والمستشفى مرهونة بقرار جندي على حاجز.
في الضفة الغربية المحتلة؛ لا تقاس المسافات دائما بالكيلومترات، بل بعدد الحواجز والبوابات العسكرية ومدة الانتظار تحت رحمة الإجراءات العسكرية. فالطريق الذي يقطعه المدني في دقائق قد يتحول إلى ساعات، وقد يكون هذا التأخير سببا في فقدان حياة أو تدهور حالة صحية أو مأساة لا يمكن تعويضها.
وتأتي حادثة قريوت في خضم تصعيد واسع في محافظة نابلس، حيث يفرض الاحتلال حصارا عسكريا مشددا منذ أيام، ويغلق مداخل المدن والبلدات، وينفذ اقتحامات ومداهمات، فيما تواصل مجموعات المستوطنين اعتداءاتها على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية.
ولا تؤثر الحواجز والإغلاقات على حركة الأفراد فقط، بل تعيد رسم تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، وتفرض واقعا من السيطرة العسكرية المستمرة على الأرض والسكان. فكل حاجز مغلق، وكل طريق مقطوع؛ يعني مزيدا من التحكم في أبسط حقوق الإنسان: الوصول إلى العلاج، والعمل، والتعليم، والحياة الطبيعية.
وتكشف هذه الحادثة مجددا الوجه القبيح للحصار العسكري في الضفة الغربية.. أم تفقد جنينها لأن الطريق إلى المستشفى أغلقه حاجز، ومسعفون يتحولون إلى مفاوضين من أجل السماح لهم بأداء مهمتهم، ومدنيون يدفعون ثمن واقع تفرضه القوة العسكرية.
بين الحاجز والمستشفى؛ كان هناك جنين فقد فرصته في الحياة، وفي الخلفية قصة شعب يعيش تحت ثقل الاحتلال، حيث يمكن لدقائق من الانتظار أن تتحول إلى مأساة، ولحاجز إسمنتي وجندي مسلح أن يصبحا فاصلا بين الإنسان وحقه الأساسي في النجاة.