غوتيريش إلى دمشق في أول زيارة منذ عام 2009
السبيل
تُشكل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المرتقبة إلى العاصمة دمشق، الجمعة، وفق إعلام محلي، حدثا دبلوماسيا مفصليا في مسار العلاقات بين المنظمة الدولية وسوريا.
الزيارة تُعد الأولى لأمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق منذ عام 2009، حين زارها الأمين العام السابق بان كي مون.
ويتضمن برنامج غوتيريش عقد مباحثات رسمية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، بالإضافة إلى لقاءات مع ممثلي المجتمع المدني ومؤسسات المجتمع المحلي.
كما تشمل الجولة زيارة ميدانية لتفقد قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) المتركزة في الجولان السوري المحتل، متابعة لالتزامات اتفاق وقف إطلاق النار.
والثلاثاء، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن غوتيريش سيزور سوريا خلال الأسبوع الجاري تلبية لدعوة من حكومتها، ويلتقي في دمشق الرئيس الشرع وعددا من المسؤولين، بينهم وزير الخارجية الشيباني، دون تحديد موعد الزيارة.
** تحوّل مفصلي
تُمثل زيارة غوتيريش إلى دمشق تحوّلا مفصليا في هندسة العلاقات الأممية مع سوريا؛ إذ تكسر قطيعة استمرت 17 عاما.
هذه العودة الأممية إلى قلب سوريا لا تُقرأ كمجرد محطة بروتوكولية، بل تُعد تدشينا لمرسوم سياسي وأممي يُعيد وضع الدولة السورية على خريطة التفاعلات الدولية المباشرة.
كما تنتقل بالملف السوري من إدارة الأزمة عبر المبعوثين الخاصين إلى أعلى المستويات القيادية في المنظمة الدولية.
وتتجلى الدلالة الأولى لهذه الزيارة في منح الدعم الأممي للمرحلة الانتقالية الجديدة، والتأكيد الحاسم على أركان السيادة السورية ووحدة أراضيها.
أما اللقاء المرتقب لغوتيريش بالقيادة السورية ممثلة بالشرع والشيباني، فيحمل رسالة سياسية للقوى الإقليمية والدولية تؤكد على أن المنظمة الأممية تعتمد مؤسسات الدولة الرسمية كشريك رئيسي في إدارة المسار السياسي، مما يُسهم في تسريع وتيرة فك العزلة الدبلوماسية الدولية عن دمشق.
وكان بان كي مون آخر أمين عام للأمم المتحدة زار سوريا عام 2009، ما يمنح زيارة غوتيريش المرتقبة دلالة سياسية في ظل المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ إسقاط النظام البائد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
** إبراز ملف الجولان
وعلى الصعيد الميداني والأمني، تكتسب جولة غوتيريش لتفقد قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” في الجولان السوري المحتل أبعادا استراتيجية بالغة الأهمية.
ففي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، يُعيد الأمين العام تسليط الضوء على خطورة ملف الجولان وضرورة التزام كافة الأطراف باتفاقيات الهدنة والقرارات الأممية ذات الصلة، وتمسك الأمم المتحدة بمسؤولياتها في حماية قرارات الشرعية الدولية.
وأنشأ مجلس الأمن قوة “أندوف” في 31 مايو/ أيار 1974 بموجب القرار 350، لمراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على تنفيذ اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل.
ونص اتفاق فض الاشتباك الموقع في اليوم ذاته على إنشاء منطقة عازلة بين القوات السورية والإسرائيلية، وتحديد مناطق خاضعة لقيود على القوات والتسليح على جانبيها.
وأنهى الاتفاق حالة القتال والاستنزاف على الجبهة السورية عقب حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وظلت “أندوف” منذ ذلك الحين مكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار وتنفيذ بنوده.
وعقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اتفاق فض الاشتباك “انهار”، وأمر الجيش باحتلال المنطقة العازلة ومواقع سورية أخرى، بينها الجانب السوري من جبل الشيخ.
ومنذ ذلك الحين، تنفذ القوات الإسرائيلية توغلات متكررة في جنوب سوريا، فيما تواصل الأمم المتحدة مطالبة “إسرائيل” بالالتزام باتفاق عام 1974 واحترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها.
** بناء مستقبل مستقر
على المسار الإنساني والاقتصادي، تُشكل الزيارة نقطة تحول جوهرية من نمط “الإغاثة الطارئة” إلى المدى الأوسع القائم على “التعافي المبكر وإعادة الإعمار”.
فوقوف الأمين العام بنفسه على حجم الاحتياجات الشاملة في دمشق يُمهّد الطريق لتحريك جمود التمويل الدولي، وحث الدول المانحة على الانتقال نحو مشاريع التنمية المستدامة وإعادة بناء البنية التحتية، بما يضمن خلق بيئة مشجعة لعودة النازحين واللاجئين بشكل مستدام.
وفي البعد الداخلي والمجتمعي، تحمل لقاءات غوتيريش المكثفة مع ممثلي المجتمع المدني والفاعليات النسوية دلالة عميقة حول الرؤية الأممية لصياغة المستقبل السوري.
إذ تعكس حرص المنظمة الدولية على شمولية العملية السياسية ومشاركة كافة المكونات المجتمعية في صياغة الدستور الجديد وإدارة المرحلة الانتقالية لضمان استقرار طويل الأمد.
وفي هذا السياق، أشار دوجاريك إلى أن غوتيريش سيجدد خلال الزيارة التزام الأمم المتحدة بدعم سوريا في هذه المرحلة، ويؤكد ضرورة احترام سيادتها ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها.
ومن المنتظر أن يطّلع الأمين العام من المسؤولين السوريين على تطورات المرحلة الانتقالية وجهود التعافي، وآثار سنوات الصراع، كما سيلتقي ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية المعنية بقضايا المرأة ومكونات مختلفة من المجتمع السوري، وفق المصدر ذاته.