كيف نقرأ إعلام الاحتلال الإسرائيلي بعينٍ راقبة؟
كتب: طارق حيدر
في ظلّ الصراع المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي، يجد الجمهور العربي نفسه أمام سيلٍ متدفّق من الأخبار والتقارير الصادرة عن إعلام العدو. وغالباً ما يتأرجح المتلقّي بين موقفين: الرفض المطلق والتكذيب التلقائي لكل ما يصدر عنه، أو الوقوع في فخّ “الهزيمة النفسية” عبر تصديق رواياته الموجّهة.
وبين هذين الحدّين، تبرز الحاجة إلى امتلاك أدوات قراءة واعية تميّز بين الإشاعة المسَيَّسة والمعلومة الميدانية، وتفصل بين ما يُراد لنا أن نصدّقه وما يمكن استخلاصه من معطيات قابلة للتحليل.
ماهية السردية الإسرائيلية
قبل الخوض في التفاصيل، لا بدّ من تثبيت حقيقة أساسية: الإعلام الإسرائيلي، على اختلاف أطيافه -موالاة ومعارضة، يميناً ويساراً- هو في نهاية المطاف وعاء للسردية الصهيونية، واختلاف النبرة لا يلغي وحدة الهدف: حماية المشروع الاستعماري وتبرير سياساته.
من هذا المنطلق؛ فإن قراءة هذا الإعلام لا تعني الثقة به، ولا الانبهار بمهنيته الشكلية، بل التعامل معه كأداة استخباراتية مفتوحة المصدر، وإنما نقرؤه لنفهم ما يريد الاحتلال إخفاءه، وما يختار إظهاره، ونستخلص منه الوقائع الموثّقة التي يمكن البناء عليها في صياغة روايتنا.
أولاً: ماذا نأخذ من إعلام الاحتلال؟
ليست كل مصادر الإعلام الإسرائيلي على درجة واحدة من الأهمية أو الموثوقية. ويمكن تصنيفها في ثلاثة مستويات رئيسة:
1- تصريحات رئيس حكومة الاحتلال
تحمل تصريحات رئيس الوزراء قيمة توثيقية عالية، لا لصدقها، بل لأنها تعبّر عن الموقف الرسمي في لحظة سياسية محدّدة.
وحين تتضمّن هذه التصريحات لغة متردّدة مثل: “لدينا أدلة”، “نحقق”، “نتابع الوضع”، فهذا يشير عادةً إلى أن الحدث وقع فعلاً، لكن الرواية لم تُحسَم داخلياً بعد، أو أن القيادة تترك حبلاً للتراجع دون إحراج.
مثال واضح: تصريحات نتنياهو بشأن استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي في المرحلة الأولى من العدوان على إيران، والتي جاءت بصياغات احترازية لا تُقدّم رواية نهائية.
2 – الصحف الكبرى والإعلام العسكري الرسمي
تشكل الصحف الإسرائيلية الكبرى (هآرتس، يديعوت أحرونوت، جيروزاليم بوست …) إلى جانب المتحدث باسم جيش الاحتلال، مصادر تقدّم عادةً تفاصيل ميدانية أدقّ: التوقيت، الموقع، نوع السلاح، حجم القوة المشاركة.
هذه التفاصيل، حين تتقاطع مع مصادر أخرى، تُخرج الخبر من دائرة الإشاعة.
فعلى سبيل المثال، كانت المعلومات الدقيقة حول استهداف محمد الضيف – التوقيت، الموقع، والطائرات المستخدمة – قادمة أساساً من الصحافة العبرية والإعلام العسكري، قبل أن يقدّم نتنياهو رواية سياسية أكثر تحفّظاً.
3 – الصحافة المتخصصة والتسريبات
هناك مواقع تحليلية وصحف متخصصة تنشر أحياناً تسريبات أو قراءات تتجاوز الخط الرسمي.
هذه المصادر تمنح رؤية أعمق لآلية صنع القرار، لكنها تفتقر غالباً إلى التوثيق الصارم، وتعتمد على مصداقية المُسرِّب، وقدرة القارئ على تقدير السياق.
مثال: التسريبات المتعلقة بملفات أبستين، وصلاته المزعومة بالاستخبارات الإسرائيلية. لا يمكن التعامل معها كحقائق، لكنها أيضاً ليست بلا قيمة؛ إذ تُقرأ ضمن سياق أوسع لفهم دوافع نشرها والجهات المستفيدة منها.
ثانياً: التسريبات والإعلام الخاص.. معركة الوعي
عند الانتقال إلى دائرة التسريبات والإعلام الخاص، يصبح الهدف ليس “المعلومة” بل “النية”.
التعامل مع هذا المستوى يحقق وظيفتين أساسيتين:
1 – فهم طريقة التفكير داخل المنظومة الإسرائيلية
التسريبات، مقابلات المسؤولين السابقين، والمقالات التحليلية الداخلية، تتيح نافذة على المنطق الذي يحكم القرار الإسرائيلي: ما هي الحسابات؟ ما الضغوط؟ أين نقاط الضعف؟
حين يُسرَّب خلاف داخل مجلس الحرب، أو يُشار إلى تردد أمريكي، فهذه ليست مجرد أخبار، بل إشارات إلى توازنات القوة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية.
الإعلامي العربي المحترف لا يقرأ الخبر، بل يقرأ “العقل” الذي أنتجه.
2 – رصد الرسائل الموجَّهة للرأي العام
الإعلام الإسرائيلي لا يصف الأحداث فقط، بل يصنع التصورات: تصور الجمهور الغربي، تصور المجتمع الإسرائيلي، وتصوّر المنطقة العربية.
حين تُكثّف وسائل الإعلام الحديث عن عملية قبل وقوعها، فذلك غالباً رسالة ضغط أو تهويل. وحين تُهوّن من خسائر أو تُضخّم إنجازات، فهذه هندسة للمزاج العام.
القراءة الواعية تسأل دائماً: لماذا يُقال هذا الآن؟ لا ماذا قيل فقط.
إطار عملي للتعامل
يمكن اختزال المبادئ العملية في ثلاثة قواعد أساسية:
1 – التمييز بين الواقعة والرواية
استخلص الوقائع القابلة للتحقق (التوقيت، المكان، الأدوات، الأعداد)، وافصلها عن التأطير السياسي الذي تُقدَّم به.
2 – الإسناد المتقاطع
لا تعتمد على مصدر إسرائيلي واحد.
قارن مع وكالات دولية، منظمات حقوقية، وشهود ميدانيين حين يتوفرون.
3 – قراءة السياق والتوقيت
اسأل دائماً: لماذا الآن؟
التوقيت جزء من الرسالة، وليس تفصيلاً محايداً.
مثال تطبيقي
نقل إعلام الاحتلال خبر استهداف “مقر خبراء إيران أثناء اجتماعهم لانتخاب مرشد أعلى جديد”، بينما علّقت وكالة مهر الإيرانية بأن المبنى المستهدف قديم وفرعي.
هذا التباين يوضح أهمية: فصل الواقعة عن الرواية، وفحص التوقيت، ومقارنة المصادر المتعددة.
خاتمة
إن حدّة الموقف الشعبي تجاه إعلام الاحتلال مفهومة، بل تحمل قدراً من المناعة الصحية. لكن المناعة الحقيقية لا تقوم على الصمم، بل على القدرة على الإصغاء، التفكيك، وقراءة ما وراء الخطاب، ثم توظيف ما يتضمّنه من معطيات لصالح روايتنا.
الإعلامي العربي المحترف لا يثق بإعلام الاحتلال، ولا يرفضه دفعة واحدة.
إنه يتعامل معه كما يتعامل المحقّق مع ملفّ أعدّه خصمه: بتركيز، وبعين تبحث عمّا يُخفى ويُغفَل أكثر مما تُصدّقه مما يُقال ويُعلَن.