تقرير المصير أم بوابة للتقسيم؟ دلالات تظاهرة السويداء السورية
السبيل – خاص
شهد مركز مدينة السويداء جنوبي سوريا، أمس السبت، تظاهرة شارك فيها المئات من أتباع حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز، ورفعت خلالها أعلام الاحتلال الإسرائيلي وصور رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، تحت شعار “نكون أو لا نكون”.
ووضع هذا المشهد الافتتاحي – برموزه وشعاراته وتوقيته – التظاهرة في قلب نقاش وطني يتجاوز حدود الاحتجاج المحلي. فرفع علم كيان يُعد خصماً في الوعي الرسمي والشعبي السوري، إلى جانب صور رئيس حكومته، لم يُقرأ بوصفه تفصيلاً عابراً، بل رسالة سياسية مباشرة تربط بين مطلب “تقرير المصير” الذي طرحه أتباع الهجري، وبين الاستقواء العلني بجهة خارجية..
وهنا؛ تحوّل الشعار من كونه نقاشاً داخلياً حول الحقوق والتمثيل، إلى عنوان يثير مخاوف واسعة من الارتماء في أحضان طرف خارجي، وما يحمله ذلك من دلالات تمس السيادة ووحدة البلاد.
ورغم محاولات المنظمين إضفاء بعد وجودي على الحدث عبر خطاب تعبوي حاد؛ فإن محدودية الحضور مقارنة بحجم التحشيد المسبق كشفت فجوة بين الخطاب والواقع، وأشارت إلى أن هذا التوجه لا يمثل إجماعاً داخل المجتمع المحلي في السويداء. وأضعفت هذه المفارقة بين اللغة العالية والسقف الشعبي المنخفض، من قوة الرسالة التي أرادها المنظمون، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول مدى تمثيل هذا الحراك للبيئة الاجتماعية التي يتحدث باسمها.
وعزز تزامن التظاهر مع دعوات لتدويل قضية الدروز وطلب “حماية خارجية” الانطباع بأن المسار المطروح يتجاوز حدود المطالب المعيشية أو الإدارية إلى مشروع اصطفاف سياسي خارجي، لا يكتفي بالبحث عن دعم دبلوماسي، بل يلوّح ببوابة تدخل تمس جوهر السيادة الوطنية وتضع القرار المحلي في مهب الإرادات الأجنبية.
وفي المقابل؛ اعتبرت أوساط محلية في السويداء أن رفع صور ورموز الاحتلال يمثل انحرافاً خطيراً يهدد النسيج الاجتماعي، لأنه لا يضع مكوناً سورياً في مواجهة بقية المكونات فحسب، بل يجرّه إلى موقع الارتهان لخصم خارجي طالما استثمر في الانقسامات الداخلية. فالمشهد لم يُفهم كاحتجاج سياسي عابر، بل كخطوة تفتح الباب لتطبيع رمزي مع طرف يُنظر إليه سورياً بوصفه مستفيداً أول من أي تصدع داخلي، وهو ما أثار استنكاراً واسعاً بوصفه سلوكاً يصطدم مباشرة مع الوجدان الوطني العام.
ويكتسب هذا الأمر حساسية إضافية بالنظر إلى السياق الأمني الهش في المحافظة، حيث يسري اتفاق لوقف إطلاق النار منذ يوليو/تموز 2025 عقب اشتباكات دامية بين عشائر بدوية ودروز أوقعت مئات الضحايا. وفي ظل هذا الواقع؛ بدا رفع شعارات تقرير المصير مقرونة برموز خارجية وكأنه قفز فوق مساعي التهدئة، بل ومغامرة سياسية تدفع نحو إعادة إنتاج التوتر، وتمنح أي طرف خارجي فرصة ذهبية للتسلل إلى شقوق الانقسام الداخلي وتوسيعها.
من منظور أوسع؛ يُنظر إلى هذا المسار بوصفه تقاطعاً واضحاً مع مشاريع إقليمية لطالما سعت إلى تفكيك سوريا إلى كيانات متنازعة على أسس طائفية أو مناطقية. فرفع علم الاحتلال في احتجاج محلي لا يُقرأ كخيار احتجاجي محايد، بل كإشارة سياسية فجة تُستخدم وقوداً لخطاب التقسيم وإحداث الشرخ بين المكونات السورية. ولهذا جاء الرفض الرسمي والشعبي واسعاً، لأن المسألة لم تعد خلافاً إدارياً أو مطلباً خدمياً، بل تحولت إلى اصطفاف يهدد فكرة الدولة الجامعة ويضع وحدة البلاد على طاولة المساومات.
خلاصة المشهد أن ما يرفعه بعض أتباع الهجري تحت عنوان “تقرير المصير” انزاح من نقاش محلي حول الحقوق والخدمات إلى مسار تصادمي يربط المطالب الداخلية بالاستقواء بجهة خارجية يُنظر إليها كساعية لاستثمار أي انقسام.
وبينما تحاول الحكومة السورية بسط الأمن والسيطرة على كامل الأراضي بعد مرحلة سقوط النظام السابق، تبدو هذه التحركات كأنها تفتح نافذة خطرة للتدويل والارتهان، وتمنح مشاريع التفكيك ذخيرة مجانية. لذلك لا يُقابل هذا التوجه بالتحفظ فحسب، بل برفض حاد باعتباره مساراً لا يهدد تماسك السويداء وحدها، بل يطعن في صميم فكرة الشراكة الوطنية ووحدة الدولة السورية.