رالي الذهب.. 4 أسئلة مهمة لفهم سر أقوى ملاذ آمن لاقتصادات العالم والدولار
لم تعد الارتفاعات القياسية التي تشهدها أسعار المعادن النفيسة بشكل عام، والذهب والفضة بشكل خاص، حدثاً استثنائياً مع بداية عام 2026، وإنما باتت خبراً عالمياً مألوفاً يمكنك متابعته بشكل يومي على شاشة هاتفك المحمول، ومحطات التلفاز، ومواقع الأخبار العالمية.
وبينما كانت التوقعات تشير إلى تجاوز أسعار الذهب العالمية مستوى 5000 دولار للأوقية (الأونصة) بنهاية عام 2026، قفزت أسعار المعدن الأصفر بمستوى فاق التوقعات.
وتجاوزت أسعار الذهب مستوى 5500 دولار للأوقية، الخميس 29 يناير/ كانون الثاني، وارتفعت بأكثر من 27% منذ بداية العام، بعد مكاسب بلغت 64% في 2025.
ولحقت الفضة هي الأخرى بركب الذهب مع تهافت المستثمرين على أصول الملاذ الآمن، واقتربت من حاجز 120 دولاراً للأوقية، الخميس 29 يناير/ كانون الثاني، وقفزت بالفعل بنحو 60% منذ بداية العام.
ولم تقتصر الارتفاعات التي شهدتها المعادن على الذهب والفضة فقط، بل شمل ذلك أيضاً البلاديوم والبلاتينيوم والنحاس.
وجاءت الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب والفضة مدفوعة بانخفاض قيمة الدولار عالمياً، والتوترات الجيوسياسية، والتوقعات بخفض معدلات الفائدة الأمريكية.
لماذا يُعدّ الذهب ملاذاً آمناً؟
مع تداول مئات المليارات من الدولارات من السبائك يومياً عبر منصات تداول متعددة، يتمتع سوق الذهب بسيولة كافية تسمح للمستثمرين الكبار بالدخول والخروج دون تقلبات حادة في الأسعار.
وباعتباره أصلاً لا يرتبط بطرف مقابل، فإن الذهب لا يعتمد على نجاح أو جدارة ائتمانية لشركة أو دولة، على عكس معظم الأوراق المالية.
ولطالما ارتبط سعر الذهب عكسياً بالدولار الأمريكي، إذ يُسعّر بالدولار، لذا عندما يضعف الدولار يصبح الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، وفق تقرير لوكالة بلومبرغ.
وتخصص معظم محافظ المستثمرين المتنوعة نسبة كبيرة من استثماراتها للأسهم الأمريكية وأصول الدخل الثابت المقومة بالدولار، ما يجعل قدرة الذهب على التحوط من تقلبات الدولار جذابة للغاية.
وأدى ارتفاع الدين الحكومي في جميع أنحاء العالم إلى زعزعة ثقة المستثمرين في السندات السيادية والعملات.
وفيما يُعرف بـ”تجارة التدهور”، اتجه عدد كبير من المستثمرين إلى الذهب والفضة والمعادن النفيسة الأخرى، بحثاً عن مخزن للقيمة لمواجهة تراجع أسواق العملات والسندات مع تدهور الأوضاع المالية العامة.
ويراقب المستثمرون عن كثب توقعات التضخم في الولايات المتحدة، في ظل ضغوط ترامب المتزايدة على الاحتياطي الفيدرالي للاستجابة لرغباته وخفض أسعار الفائدة. ويُصبح الذهب، الذي لا يُدرّ فوائد، أكثر جاذبية في بيئة ذات أسعار فائدة منخفضة، حيث تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مقارنةً بالأصول المُدرّة للفائدة.
ويراهن المستثمرون على أن الرئيس القادم للاحتياطي الفيدرالي، الذي من المقرر أن يُعيّنه ترامب هذا العام، سيتبنى نهجاً أكثر تيسيراً في السياسة النقدية من الرئيس الحالي للمجلس، جيروم باول.
لماذا قفزت أسعار الذهب؟
ساهمت عوامل عدة في ارتفاع أسعار الذهب عالمياً بمستويات فاقت توقعات المستثمرين ومن أبرزها:
1- التوترات الجيوسياسية
مع استمرار الصراعات في الشرق الأوسط والحرب الأوكرانية الروسية، وعدم الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة، يتجه المستثمرون إلى الذهب باعتباره “الملاذ الآمن” الوحيد الذي لا يحمل مخاطر ائتمانية.
ونقلت رويترز عن مصادر متعددة أن الرئيس الأمريكي يدرس خيارات ضد إيران تشمل شن ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لدعم المتظاهرين.
2- شراء البنوك المركزية
تقوم البنوك المركزية (خاصة في الصين والأسواق الناشئة) بشراء الذهب بشراهة لتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي (De-dollarization) وتنويع احتياطياتها.
وفي عام 2025، اشترت البنوك المركزية نحو 900 طن صاف من الذهب على مدار العام (حوالي 634 طناً في الفترة من الربع الأول إلى الثالث)، وفق وكالة الأناضول.
3- مخاوف الديون الأمريكية
يدفع القلق المتزايد بشأن حجم الدين العام الأمريكي والعجز المالي المؤسسات الكبرى للتحوط بالذهب خوفاً من انخفاض قيمة العملات الورقية.
وقال محللون في أو.سي.بي.سي لرويترز: “أدى ارتفاع أعباء الديون الحكومية والمخاوف الجيوسياسية وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسات إلى تسريع إعادة تقييم دور الذهب في المحافظ الاستثمارية”.
4- توقعات خفض الفائدة الأمريكية
وفي الوقت الذي لا يدرّ فيه الذهب عائداً، يصبح أكثر جاذبية عندما تنخفض العوائد الحقيقية (بعد التضخم) أو تتزايد رهانات خفض الفائدة.
وخلال اجتماعه الأخير، الأربعاء 28 يناير/كانون الثاني، بدت نبرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي أكثر تفاؤلاً بشأن سوق العمل ومخاطر التضخم، وهو ما فسره المستثمرون على أنه إشارة إلى احتمال بقاء أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول.
5- صناديق الذهب المتداولة (ETFs)
جاء الطلب الإضافي الحقيقي الذي دفع الأسعار إلى الأعلى من صناديق المؤشرات المتداولة (صناديق الاستثمار أو ETFs)، ولا سيما من جانب المؤسسات الاستثمارية الأمريكية.
وشهدت صناديق الذهب العالمية تدفقات قياسية خلال العام الماضي، إذ تجاوز إجمالي التدفقات الداخلة نحو 800 طن، وساهم في ذلك المشاركة القوية من المستثمرين الغربيين (أمريكا الشمالية وأوروبا)، وهو ما عزز وتيرة الارتفاع، بينما قفز الطلب على السبائك والعملات 16% إلى أعلى مستوى له في 12 عاماً.
ويتوقع مجلس الذهب العالمي عاماً آخر من التدفقات القوية إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب. وارتفع إجمالي الطلب على الاستثمار في الذهب 84% إلى مستوى قياسي بلغ 2175 طناً في عام 2025.
6- انخفاض قيمة الدولار
عندما يضعف الدولار أو تتزايد الشكوك حوله، يرتفع الذهب عادةً؛ لأنه يصبح أرخص لحائزي العملات الأخرى، ويُنظر إليه كبديل/تحوّط.
وشهد الدولار هبوطاً حاداً هذا الأسبوع ووصل إلى أدنى مستوى في أربع سنوات، بعد تصريحات أشارت إلى تقليل الرئيس ترامب من أهمية ضعف العملة، رغم أنه تلقى بعض الدعم بعد أن قال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، في اليوم التالي إن واشنطن لديها سياسة تعتمد على قوة الدولار.
وسجل مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة من العملات الرئيسية، 96.06 ليظل بذلك قرب أدنى مستوى في أربع سنوات عند 95.566.
ماذا يعني ارتفاع أسعار الذهب للاقتصاد العالمي؟
يشير صعود أسعار الذهب إلى مخاطر في الاقتصاد العالمي، فتخلي الولايات المتحدة عن دور “شرطي العالم”، والتراجع عن العولمة، وظهور الفراغات الجيوسياسية، والحروب التجارية، كلها عوامل تمهّد لنزاعات إقليمية، وفق وكالة الأناضول.
كما أن تخلي الولايات المتحدة تدريجياً عن دور الدولار كعملة احتياط عالمية، وإعطاء أهمية أكبر لأصول نقدية محدودة الإنتاج مثل الذهب والفضة والبيتكوين، يزيد من مخاطر الركود التضخمي والكساد.
وفي هذا السياق، فإن الأرقام القياسية في أسعار الذهب تشير إلى تغيير هيكلي وليس مؤقتاً، وإن كان المسار قصير الأجل غير مؤكد.
ما هي السيناريوهات المتوقعة لأسعار الذهب؟
قالت تقارير إن سياسات الفيدرالي الأمريكي، والتطورات الجيوسياسية (الرسوم الجمركية والصراعات)، والتضخم، وحركة الدولار ستبقى عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الأسعار.
وتوقع تقرير وكالة الأناضول أن يواصل الذهب صعوده إذا استمرت تخفيضات الفائدة مع بقاء طلب البنوك المركزية والمستثمرين.
فيما رجّح تقرير وكالة بلومبرغ أن يؤدي ارتفاع قيمة الدولار، أو خفض كبير في الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، أو اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا إلى انخفاض سعر الذهب.
وقد يؤدي تخفيف حدة التوترات الجيوسياسية التي تصاعدت هذا العام إلى انخفاض الطلب على السبائك، بما في ذلك الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، فضلاً عن التهديد بمزيد من التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية في أعقاب القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأشارت بلومبرغ إلى أن أي تخفيض في صافي مشتريات البنوك المركزية من شأنه أن يُزيل أحد أهم محركات السوق الصاعدة. وقد أدى الارتفاع الكبير في سعر الذهب إلى زيادة حيازات بعض البنوك المركزية من الذهب لتتجاوز النسبة المستهدفة من احتياطياتها.
وقد أوصى أحد صناع السياسات في البنك المركزي الفلبيني ببيع جزء من الذهب في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ومع ذلك، لم تبع البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة سوى كميات ضئيلة من الذهب في العقود الأخيرة مقارنةً بتسعينيات القرن الماضي، حين أدت عمليات البيع المستمرة إلى انخفاض أسعار السبائك بأكثر من الربع خلال ذلك العقد.




وكالات