كيف تنعكس التحولات السعودية على تحالفات واشنطن؟
السبيل- خاص
مع استمرار تقلبات المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط؛ يبدو أن السعودية تتخذ مساراً أكثر حذراً في علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي، مما يربك بعض التحالفات التي سعت واشنطن لتوطيدها في المنطقة.
وفي مقالة نشرها موقع “ناشونال إنترست” رصد الكاتب الأمريكي لورانس ج. هاس، الزميل البارز في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية، التحول السعودي الذي يقف خلفه ديناميات معقدة بين التوازنات الداخلية والتحديات الإقليمية، كما يقول.
ووفق هاس؛ كان هناك تقارب تدريجي بين الرياض و”تل أبيب” خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بمخاوف مشتركة من طموحات إيران للهيمنة الإقليمية، وهو ما عزز الآمال في واشنطن والقدس بأن السعودية قد توافق قريباً على تطبيع كامل للعلاقات مع الاحتلال. وفي ذلك يقول: “التطبيع السعودي الإسرائيلي كان يمكن أن يشكل تتويجاً للتطورات الإقليمية الاستثنائية التي أعقبت هجوم حماس في أكتوبر 2023”.
غير أن الأحداث الأخيرة، بحسب المقال، تشير إلى أن الرياض لم تعد تسير على مسار التطبيع كما بدا قبل الهجوم، بل اتجهت نحو تعزيز نفوذها الإقليمي بموازنة التحالفات القائمة. ويشير الكاتب إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان وجه انتقادات حادة لسلوك “إسرائيل” في المنطقة، وعمل على بناء تحالف إقليمي جديد يوازن بين القوى في المنطقة.
وبحسب الكاتب؛ لا يمكن فهم القرار السعودي بالابتعاد عن التطبيع دون النظر إلى السياق الداخلي، لافتا إلى أن ولي العهد السعودي يواجه معارضة من أمراء وقيادات دينية وشريحة واسعة من الشباب، الذين يعتبرون دولة الاحتلال منافساً لا شريكاً. كما أن أحداث أكتوبر 2023 عززت مشاعر السخط الشعبي تجاه الاحتلال، “وهو ما يزيد من صعوبة المضي قدماً في اتفاق رسمي”.
ومن منظور إقليمي؛ يرى ولي العهد أن ضعف إيران بعد الرد الإسرائيلي على هجوم حماس يقلل الحاجة إلى التحالف العسكري المباشر مع تل أبيب. وفي الوقت ذاته؛ تحاول السعودية موازنة نفوذ الإمارات في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما انعكس في توترات على الساحة اليمنية بين الرياض وأبو ظبي.
كما تتجه السعودية لتعزيز علاقاتها مع تركيا، حيث تسعى أنقرة للانضمام إلى اتفاقية دفاعية وقعتها الرياض مع باكستان، تتضمن بنداً للدفاع المشترك مشابهاً للمادة الخامسة من ميثاق الناتو. ويصف هاس هذا التحرك بأنه “محور تركي سعودي مدعوم بهيكل دفاعي شبيه بالناتو، وموجه ضمنياً ضد حكومة الاحتلال والإمارات”.
ويحمل هذا التحول الاستراتيجي السعودي تداعيات مباشرة على السياسات الأمريكية في المنطقة. ففي وقت كانت واشنطن تطمح لإنجاز تطبيع سعودي – إسرائيلي يوسع دائرة اتفاقيات أبراهام؛ تشير التحركات الأخيرة إلى ضرورة إعادة واشنطن تقييم العلاقة مع الرياض، بما في ذلك ملف تسليم المقاتلات الأمريكية المتطورة من طراز إف-35، والتي تتطلب موافقة الكونغرس وقد تتأثر بالموقف السعودي الجديد تجاه “تل أبيب”.
ويخلص هاس إلى أن الولايات المتحدة تواجه واقعاً معقداً، حيث تتصادم آمالها في تعزيز التحالفات الإقليمية مع القيود الداخلية للسعودية وطموحاتها الاستراتيجية الإقليمية، ما يجعل التعامل مع الرياض يتطلب “الحذر والواقعية” أكثر من أي وقت مضى.
ويبقى المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط في حالة ديناميكية متغيرة.. وتوازنات القوى بين السعودية والاحتلال والإمارات وإيران وتركيا تتحرك على عدة محاور متقاطعة، فيما يرى مراقبون أن ابتعاد الرياض عن مسار التطبيع مع “تل أبيب” يعكس إدراكها للمخاطر الداخلية والإقليمية، ويضع واشنطن أمام تحدي إعادة صياغة تحالفاتها وفق هذه المعطيات الجديدة، بعيداً عن افتراضات مبسطة حول الولاء والتحالفات التقليدية في المنطقة.