ذكاء المقاومة بلسان العدو.. قراءة في اعترافات هرتسي هاليفي
السبيل – خاص
تكشف التصريحات الجديدة التي بثّتها القناة 12 الإسرائيلية لرئيس أركان جيش الاحتلال السابق هرتسي هاليفي، حجم الإخفاقات العميقة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية في “إسرائيل”، وتعرض – بصوت قادتها أنفسهم – صورة متقدمة من قدرات المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً حركة “حماس”، التي وصفها هاليفي بأنها “خدعت إسرائيل لسنوات” في واحدة من أكثر الاعترافات صراحة منذ هجوم 7 أكتوبر.
ويظهر التسجيل هاليفي وهو يقدم سرداً مفصلاً لخطوات المقاومة في التضليل الاستراتيجي، معترفاً بأن “إسرائيل” أخطأت في قراءة الواقع، وأن الحركة نجحت في بناء آلية خداع محكمة أقنعت أجهزة الأمن والمستويات السياسية وحتى الوسطاء الدوليين بأنها منشغلة بإدارة الشؤون المدنية، بينما كانت تستثمر “الأموال والوقت والقدرات” في تطوير بنيتها العسكرية.
خداع محكم وقراءة دقيقة للمشهد
وبحسب هاليفي؛ فقد اعتمدت المقاومة على واجهات مدنية، كالحديث عن تصاريح العمل، ومشاريع البنية التحتية، والمساعدات الإنسانية، وهو ما جعل “إسرائيل” تعتقد أن الحركة تسعى إلى “الهدوء الطويل” وليست بصدد أي استعداد للقتال.
ووصف هاليفي هذا النهج بأنه “آلية خداع معقدة” تضمنت إعادة ضبط العلاقة مع الفصائل الأخرى، بما فيها الجهاد الإسلامي، لإقناع “إسرائيل” بأن “حماس” باتت تميل نحو الاستقرار.
وتعكس هذه الاعترافات – بلسان القائد العسكري الأعلى السابق للكيان – قدرة المقاومة على قراءة وعي الاحتلال، وتوقع ردوده، واستثمار ذلك في وضع خطة طويلة الأمد للهجوم، وهو ما يصفه مراقبون بأنه دليل على تطور واضح في عمل المقاومة، الذي لم يعد مجرد ردود أفعال متفرقة، بل رؤية استراتيجية ممتدة لسنوات.
نقطة التحول كما يراها العدو
ويرى هاليفي أن حرب غزة عام 2021 كانت نقطة تحول لصالح المقاومة الفلسطينية، لكنها قُرئت في “إسرائيل” باعتبارها “نجاحاً كبيراً”، بينما فهمت “حماس” أنها تجاوزت مرحلة حرجة، واكتسبت ميزة جديدة.. وهذا الفهم الخاطئ من الكيان – كما يقرّ هاليفي – جعل إسرائيل “تغفو” عن متابعة التحولات العسكرية والاستعدادات المتسارعة في غزة.
وبحسب التسجيل؛ فإن المقاومة وصلت إلى قناعة بأن “إسرائيل” لا ترغب في دخول بري جديد إلى القطاع، ما منحها مساحة زمنية واسعة لتطوير خطتها للهجوم الواسع، وهي الخطة التي كانت قيد التنفيذ منذ سنوات طويلة.
ويكشف هاليفي أيضاً أن جهاز الاستخبارات تلقى تحذيرات قبل الهجوم، من بينها رصد تغيّر كبير في نمط تدريبات المقاتلين في غزة، لكن هذه التحذيرات “لم تُؤخذ بجدية”، بل إن التقديرات السائدة داخل الشاباك والجيش كانت تؤكد أن الحركة “غير معنية بالمواجهة”.
ويقول هاليفي في اعتراف صادم: “ربما ألغوا كل أجهزة الاستشعار لدينا ونحن لا نعلم”.. وهذا التصريح وحده يقدّم مؤشراً بالغ الخطورة حول حجم الاختراق الذي تمكنت منه المقاومة في إدارة معركتها، وقدرتها على شل أنظمة المراقبة التقليدية للاحتلال.
ذكاء المقاومة بلسان العدو
تُظهر هذه الاعترافات – بوضوح لا يحتاج إلى تفسير – أن المقاومة لم تعتمد على القوة وحدها، بل على العقل والتخطيط والخداع الاستراتيجي، ونجحت بوضوح في توجيه بوصلة الاحتلال نحو مسارات وهمية، وإقناع أجهزته بأن الهدوء مستمر، وإنشاء بيئة ظاهرها مدني وباطنها إعداد عسكري محكم، وإدارة معركة الرأي العام عبر الوسطاء والمشهد الإقليمي.
وهو ما يصفه قادة الاحتلال اليوم بأنه “الفشل الأكبر” في تاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ حرب 1973.
ورغم محاولات بعض القادة السياسيين التنصل من المسؤولية؛ يصر هاليفي قائلاً: “أنا قائد الجيش وأنا مسؤول، وسأحمل هذا حتى يوم مماتي”.
لكن خلف هذا الاعتراف، تظهر حقيقة أخرى تقول إن المقاومة تمكّنت من صياغة معركة ذكية، اعتمدت على الدرس الطويل، والقراءة الدقيقة لخصمها، والعمل الممنهج بعيداً عن الضجيج، حتى لحظة الانفجار الكبير.