مارك لينش يفكك أوهام “الشرق الأوسط الجديد” بين نتنياهو وترامب
السبيل – خاص
في مقالٍ لافتٍ نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، وجّه الباحث والأستاذ في جامعة جورج واشنطن مارك لينش نقداً جذرياً لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشّر به رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مؤكداً أن هذا المشروع “انهار تحت ثقل أوهامه”، وأن “إسرائيل لا يمكنها قصف طريقها نحو نظام إقليمي جديد”.
ورأى لينش أن ما يحدث اليوم ليس تأسيساً لنظام جديد، بل انهيارٌ للنسخة القديمة من الشرق الأوسط التي قامت على التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي غير المشروط. وفي قراءته؛ فإن القوة العارية لا تصنع نظاماً، وأن شرعية أي نظام إقليمي لا تُبنى على القهر بل على التوافق والمصالح المشتركة.
انكشاف الشراكة الأمريكية – الإسرائيلية
في مستهل تحليله؛ يشير لينش إلى أن الأزمة الحالية بين واشنطن و”تل أبيب” تكشف حدود الشراكة بين الطرفين. فبعد محاولة الاغتيال الإسرائيلية في الدوحة، كما يقول، أدرك ترامب – ومعه صقور المؤسسة الأمريكية ” أن “إسرائيل لم تعد ترى في الولايات المتحدة شريكاً يوجّهها، بل غطاءً تتصرف تحته بلا قيد”.
وبهذه القراءة؛ لم تعد “إسرائيل” حليفاً منضبطاً، بل باتت قوة متهورة تُحرج واشنطن وتضعها أمام العالم كطرفٍ متواطئ في جرائمٍ لا يمكن تبريرها.
ويرى لينش أن هذا التحول في العلاقة يعكس تغيراً أعمق في بنية النظام الإقليمي، فواشنطن لم تعد اللاعب المهيمن الذي يصوغ المنطقة كما فعلت في التسعينيات، بعد تآكل نفوذها عقب حرب العراق والأزمة المالية العالمية. وهكذا، فإن الحديث عن “شرق أوسط جديد” تقوده “إسرائيل” برعاية أمريكية لم يعد واقعياً.
تصدع التحالفات العربية – الإسرائيلية
يُبرز لينش أن مشروع التطبيع، الذي شكّل حجر الأساس في “رؤية نتنياهو – ترامب”، تلقّى ضربة قوية بعد الحرب على غزة. فالمزاج الشعبي العربي تغيّر بصورة جذرية، وصور الدمار والضحايا دفعت الحكومات إلى التراجع خطوة إلى الوراء.
ويقول إن “الحكومات الخليجية التي كانت تتحدث عن شراكة جديدة مع إسرائيل وجدت نفسها فجأة أمام رأي عام غاضب، فاضطرت لإعادة طرح المبادرة العربية للسلام”.
وبهذا المعنى؛ تعود القضية الفلسطينية إلى قلب النظام العربي، بعد أن حاولت مشاريع التطبيع إزاحتها إلى الهامش. ولم يعد ممكناً بناء نظام شرق أوسطي يتجاهل الفلسطينيين، ولا يمكن لتل أبيب أن تفرض شرعيتها الإقليمية وهي تقصف غزة بلا هوادة.
حدود القوة الإسرائيلية
ينتقد لينش بشدة الاعتقاد الإسرائيلي بأن “القوة وحدها تصنع النظام”. فبحسبه؛ لم تحقق “إسرائيل” أياً من أهدافها الكبرى، وفي هذا السياق يقول: “لم تُنهِ حماس، ولم تُضعف حزب الله، ولا أوقفت البرنامج النووي الإيراني”.
بل يرى أن “إسرائيل” غرقت في حرب استنزاف طويلة، تكشف اعتمادها البنيوي على الدعم الأمريكي، من الذخيرة إلى الغطاء الدبلوماسي. وبدون هذا الدعم، يقول لينش، تتآكل أسطورة التفوق الإسرائيلي بسرعة.
ويشير أيضاً إلى أن الداخل الإسرائيلي نفسه بات هشّاً: انقسام سياسي حاد، وأزمة اقتصادية، وتراجع في المعنويات، ما يجعل فكرة “الدولة القائدة للمنطقة” أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع.
عزلة غير مسبوقة
يؤكد لينش أن “إسرائيل” تواجه اليوم عزلة دولية غير مسبوقة، إذ تحوّل التعاطف العالمي مع ضحايا السابع من أكتوبر إلى غضب واسع من حرب الإبادة في غزة.
وفي ذلك يقول: “في اللحظة التي أرادت فيها إسرائيل أن تُرى كقوة استقرار، باتت تُنظر إليها كقوة مدمّرة تتصرّف بلا رادع ولا مسؤولية”.
كما يلفت إلى أن مصداقية واشنطن نفسها تضررت من تبنيها غير المشروط لـ”إسرائيل”، ما جعل خطابها عن “حقوق الإنسان” يبدو أجوفاً في نظر شعوب المنطقة والعالم.
تحولات داخل الولايات المتحدة
يضيف لينش بعداً مهماً في تحليله، وهو التحول الجاري في المزاج السياسي الأمريكي تجاه “إسرائيل”.
ففي الحزب الديمقراطي؛ تتزايد الأصوات التي تنتقد سياسات الاحتلال، بينما تظهر في الحزب الجمهوري نزعات انعزالية ترفض “تمويل الحروب بالوكالة”.
يقول لينش ملخصا حدود التحالف بين الجانبين: “إسرائيل تكتب شيكات سياسية وعسكرية قد لا تستطيع الولايات المتحدة صرفها”.
وبذلك؛ لم تعد واشنطن تملك الإرادة ولا القدرة على تمويل نظام شرق أوسطي جديد تديره “تل أبيب”، خاصة في ظل أولويات داخلية متزايدة.
الشرق الأوسط الجديد.. وهم القوة
يخلص مارك لينش إلى أن فكرة “الشرق الأوسط الجديد” التي روّج لها نتنياهو وترامب ليست سوى نسخة محدثة من أوهام الهيمنة.
وتتمثل هذه الفكرة في شرق أوسط تُطبع فيه الأنظمة مع “إسرائيل”، وتُهمَّش فيه فلسطين، وتُقصى إيران وتركيا عن معادلة النفوذ. لكن الواقع – كما يقول – “أثبت أن القوة وحدها لا تُنتج نظاماً، وأن الهيمنة دون قبولٍ شعبي أو شرعية سياسية مصيرها الفشل”.
ويختم لينش مقاله بعبارة لافتة تصلح عنواناً لمشهد ما بعد غزة: “لن يولد شرق أوسط جديد من تحت أنقاض غزة، لأن الخراب لا يُبنى عليه نظام”.