الأردنيون والتطبيع.. من وعود السلام الزائفة إلى خيبة الواقع
السبيل – خاص
بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع معاهدة السلام بين الأردن والاحتلال الإسرائيلي، يبدو أن “ثمار السلام” التي وُعد بها الأردنيون قد تحوّلت إلى سراب، وأن الهوة بين الرسمي والشعبي اتسعت على نحو غير مسبوق.
ففي حين تستمر العلاقات الأمنية بين عمّان و”تل أبيب” تكشف استطلاعات الرأي عن تراجع حاد في تأييد الشارع الأردني للتطبيع، إذ لم تتجاوز نسبته اليوم 3% فقط، وفق ما أورده البروفيسور رونين يتسحاق في صحيفة “معاريف” العبرية.
وهذا الانحدار الحاد في المزاج الشعبي ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وإنسانية؛ جعلت الأردني يرى في “السلام” عبئاً على كرامته الوطنية، لا مكسباً استراتيجياً كما رُوِّج له عام 1994.
من وعود الازدهار إلى واقع الخيبة
بعد توقيع الأردن اتفاقية السلام مع الاحتلال قبل 31 عاماً؛ لم يكن المزاج الشعبي متحمساً كما صوّرته الرواية الرسمية آنذاك. فبينما رُوِّج للاتفاق باعتباره بوابة لعهدٍ جديد من الازدهار والاستقرار؛ ظلّ الشارع الأردني، في معظمه، متشككاً في نوايا الاحتلال، ورافضاً لأي سلام لا يعيد للفلسطينيين حقوقهم.
ويشير البروفيسور رونين يتسحاق في مقالته المشار إليه آنفاً، إلى أن الاتفاقية وُقّعت وسط وعودٍ واسعة بتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية للأردن، إلا أن هذه الوعود سرعان ما تبخّرت. فلم تُقم دولة فلسطينية كما وُعِد، ولم يتحقق الازدهار المنشود، بل ازدادت الأزمات الاقتصادية والمعيشية تعقيداً.
ومع مرور السنوات؛ تكرّس في الوعي الجمعي الأردني أن “السلام” بقي حبراً على ورق، اتفاقاً بين الحكومات لا بين الشعوب، تحركه اعتبارات أمنية لا قناعات وطنية. فالمواطن الأردني لم يلمس من التطبيع إلا مزيداً من التوترات الإقليمية، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
لقد أدرك الأردنيون أن التطبيع مع الاحتلال لا يحمل معنى السلام الحقيقي، وأن أي علاقة تُبنى على حساب الحق الفلسطيني لن تنال شرعية من وجدانهم العربي والإسلامي الراسخ.
فلسطين في قلب الموقف الأردني
ويرى يتسحاق أن “غياب حل للقضية الفلسطينية هو السبب الرئيسي لتراجع التأييد الشعبي للسلام”، وهو تحليل دقيق يعكس عمق الارتباط الأردني بفلسطين سياسياً وديموغرافياً وهويّاتياً.
فما يقرب من نصف سكان المملكة من أصول فلسطينية، ما يجعل كل جولة عدوان أو تهديد بالتهجير تُترجم إلى قضية داخلية تمسّ كيان الدولة ذاته.
ومع كل تصعيد إسرائيلي في غزة أو الضفة؛ تتزايد مشاعر الغضب في الشارع الأردني، إذ يُنظر إلى الاحتلال باعتباره الخطر الأكبر على استقرار المنطقة وهويتها، لا كشريك سلام.
ويدرك الأردنيون، كما قال الملك عبد الله الثاني مراراً، أن “الأردن هو الأردن، وفلسطين هي فلسطين”، وهي عبارة تختصر جوهر الموقف الرسمي والشعبي على السواء؛ أن قيام دولة فلسطينية مستقلة هو الضمانة الوحيدة لبقاء التوازن في المنطقة واستقرار الأردن نفسه.
التطبيع الرسمي والتناقض الشعبي
ورغم ما أورده يتسحاق من أن التعاون الأمني والاقتصادي “لا يزال قائماً بين الجانبين”، فإن هذا التعاون يجري – بحسب المقال – “في ظل فجوة متسعة بين الموقف الرسمي والرأي العام”.
فبينما تبرم عمّان “وتل أبيب” اتفاقات في مجالات المياه والغاز والطاقة؛ يعبّر الشارع الأردني عن رفضٍ قاطع لأي شكلٍ من أشكال التقارب مع الاحتلال، بل يرى في تلك الاتفاقات إذعاناً لا شراكة.
ويصف الكاتب الإسرائيلي حالة الغضب الأردنية بأنها “تغذّي تصاعد معاداة السامية في المملكة” وفق تعبيره، في قراءة تُغفل أن ما يجري ليس كراهية دينية بالدرجة الأولى، بل رفضٌ للاحتلال وعدوانه المستمر على الفلسطينيين.
إن هذه الازدواجية بين علاقاتٍ رسمية مستمرة ورفضٍ شعبي متزايد؛ تجعل من التطبيع ملفاً هشّاً لا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل مستقر، لأن أي سلام لا ينبع من قناعة الشعوب تسقط شرعيته.