الأخبار

الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال.. هل أنتج الإفلات من العقاب “حصانة استعمارية”؟

أكتوبر 15, 2025 10:24 ص
غزة الاحتلال أسرى الأسرى

السبيل – خاص
لا يتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع الأسرى الفلسطينيين باعتبارهم سجناء حرب أو معتقلين سياسيين كما يقرّ القانون الدولي، بل باعتبارهم أدوات للعقاب الجماعي والسيطرة النفسية على المجتمع الفلسطيني.

ومنذ بداية الحرب على غزة؛ تحولت السجون إلى امتداد ميداني لسياسة الإبادة ذاتها: تعذيب وتجويع وإذلال، وحرمان من الدواء، وحتى القتل البطيء، في تجاوزات جماعية تشير إلى عقيدة أمنية متجذرة في الذهنية الإسرائيلية، ترى في كسر إرادة الأسير الفلسطيني وسيلة لضرب روح المقاومة الجماعية.

فالمنطق الذي يحكم هذه السياسة هو منع الفلسطيني من الشعور بالانتصار أو الصمود. فحتى حين يُجبر الاحتلال على الإفراج عن الأسرى ضمن صفقة تبادل؛ يحاول أن يجعل الحرية نفسها امتدادًا للعذاب، وأن يُبقي صورة الفلسطيني مكسورًا جسديًا ونفسيًا، كي لا تتحول الصفقة إلى نصر معنوي.

منطق الردع والإذلال

تاريخيًا؛ اعتمدت المؤسسة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي على “العقاب بالردع” تجاه الفلسطينيين، وهو مفهوم يرتكز على إلحاق أكبر قدر ممكن من الألم لزرع الخوف، لا لتحقيق العدالة بالطبع.

ومع الحرب الأخيرة؛ تحوّل الردع إلى إذلال شامل، بحيث تُعامل أجساد الأسرى كمساحة للعقوبة الجماعية. فالتعذيب الممنهج والتجويع والحرمان من النوم ليست وسائل تحقيق، بل رسائل سياسية موجهة إلى الخارج: رسالة إلى المقاومة بأن ثمن المواجهة باهظ، ورسالة إلى الداخل الإسرائيلي بأن الحكومة “تنتقم”.

لكن هذا الأسلوب يكشف فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه الميدانية. فحين يعجز عن كسر المقاومة بالسلاح، يلجأ إلى إذلال الأسرى للقول إنه ما زال “قادرًا على السيطرة”، ولو على أجسادهم فقط.

الصمت الدولي المريب

ويبقى السؤال الأبرز هذه الأثناء: لماذا تفشل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في ردع الاحتلال؟

الجواب مركّب، ويتصل بعوامل سياسية وهيكلية:

1- الفيتو الأمريكي: فمنذ عقود؛ شكّل الدعم الأمريكي المظلة التي تحمي الاحتلال من المساءلة في مجلس الأمن، إذ استخدمت واشنطن حق النقض عشرات المرات لإجهاض أي قرار يُدين الجرائم بحق الفلسطينيين، بما فيها الانتهاكات ضد الأسرى.

2- ازدواجية المعايير الغربية: حيث تُستخدم مفاهيم “حقوق الإنسان” و”العدالة الدولية” بشكل انتقائي يخضع للحسابات الجيوسياسية، لا للقيم الأخلاقية. فما يُعتبر مثلاً “جريمة حرب” في أوكرانيا، يُسوّق في فلسطين لحساب الاحتلال كـ”دفاع عن النفس”.

3- تفكك النظام الدولي لحقوق الإنسان: فبعد حروب كبرى وأزمات متلاحقة؛ باتت الأمم المتحدة عاجزة فعليًا عن فرض قراراتها، وتحوّلت لجهاز بيروقراطي يعتمد على التقارير والإدانات اللفظية دون آليات تنفيذية حقيقية.

والاحتلال يدرك هذا الفراغ جيدًا، ويتعامل معه بثقة متزايدة. فهو يعلم أن أقصى ما يمكن أن يصدر هو “بيان قلق” أو “تقرير توثيقي” بينما يُغلق الملف سياسيًا تحت ضغط الحلفاء.

الإفلات من العقاب وهزيمة الاحتلال

لا يشكل استمرار التعذيب في سجون الاحتلال خرقًا عرضيًا، بل سياسة ممنهجة تستند إلى ضمان الإفلات من العقاب.

والقادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون يعرفون أن الطريق إلى المحكمة الجنائية الدولية مغلق عمليًا بفعل التحالف الغربي، وأن لجان التحقيق الأممية غالبًا ما تُحاصر أو تُفرّغ من مضمونها قبل أن ترى نتائجها النور.

وبالتالي؛ فإن الإفلات من العقاب أنتج حالة “حصانة استعمارية” حيث يصبح القانون الدولي نفسه رهينة للقوة السياسية، وتتحول حقوق الإنسان إلى ملف تفاوضي لا إلى التزام قانوني.

ولكن المفارقة أن هذه الوحشية، التي أرادها الاحتلال لإهانة الفلسطيني؛ تحولت إلى شاهد إضافي على فشله الأخلاقي والسياسي. فالصور القادمة من غزة للأسرى الهزالى والناجين من التعذيب؛ تخلق صدمة عالمية متزايدة، وتعيد فتح النقاش حول شرعية النظام الدولي نفسه.

فإن كل مشهد أسير مريض أو جائع هو إدانة حية للنظام الدولي الصامت، وللتحالفات التي تغطي الجرائم تحت لافتة “الدفاع عن الديمقراطية”.

بين الصبر والعدالة المؤجلة

إن ما يجري للأسرى ليس فصلًا منفصلًا عن حرب الإبادة التي يمارسها المحتل بحق الشعب الفلسطيني، بل هو وجهها الأكثر تركيزًا: حرب على الجسد والروح معًا.

ومهما طال صمت العالم؛ فإن ما تراكم من شهادات ووثائق سيبقى أرشيفًا مفتوحًا للعدالة القادمة، حين يسقط منطق القوة أمام منطق التاريخ.

فالاحتلال الذي بنى ردعه على كسر الأسرى؛ اكتشف أن الفلسطيني الذي خرج من “مقبرة الأحياء” أكثر صلابة من قبل، وأن الحرية حتى حين تأتي مثقلة بالعذاب؛ تبقى أعمق من السجن والجدران، ومن صمت العالم كله.

مواضيع ذات صلة
استطلاع: 65 بالمئة من الأمريكيين يرفضون طريقة تعاطي ترامب مع إيران
استطلاع: 65 بالمئة من الأمريكيين يرفضون طريقة تعاطي ترامب مع إيران

يونيو 19, 2026 4:06 م

السبيل – الأناضول أظهر استطلاع للرأي أُجري في الولايات المتحدة، أن نحو 65 بالمئة من الأمريكيين لا يوافقون على الطريقة...
اجتماعات إسرائيلية لبحث توسيع التصعيد ضد “حزب الله” جنوبي لبنان
اجتماعات إسرائيلية لبحث توسيع التصعيد ضد “حزب الله” جنوبي لبنان

يونيو 19, 2026 4:04 م

السبيل – الأناضول كشف قادة إسرائيليون، الجمعة، عن انطلاق اجتماعات رفيعة المستوى لبحث كيفية “الرد” على “حزب الله”، عقب تصديه...
أبو عبيدة يُحيّي مقاومة حزب الله التي تكبد الاحتلال خسائر فادحة
أبو عبيدة يُحيّي مقاومة حزب الله التي تكبد الاحتلال خسائر فادحة

يونيو 19, 2026 3:42 م

السبيل  حيّا الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، “سواعد مجاهدي حزب الله اللبناني الذين كبّدوا الاحتلال الإسرائيلي خسائر فادحة...
قاسم يشيد ببطولة المقاومة في لبنان
قاسم يشيد ببطولة المقاومة في لبنان

يونيو 19, 2026 3:21 م

السبيل  أشاد الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية “حماس” حازم قاسم، اليوم الجمعة، بالبطولة العظيمة التي تسطرها المقاومة في لبنان؛ دفاعًا...
كاتس: نتحرك ضد إيران بما يجب فعله
كاتس: نتحرك ضد إيران بما يجب فعله

يونيو 19, 2026 2:51 م

السبيل – الأناضول قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن الجيش الإسرائيلي “سيتحرك ضد إيران بما يجب فعله، ولا أحد...
ترامب: لولا تدخلي لكانت “إسرائيل” قد سُحقت
ترامب: لولا تدخلي لكانت “إسرائيل” قد سُحقت

يونيو 19, 2026 2:16 م

السبيل قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، خلال مقابلة مع موقع أكسيوس، إنه لولا تدخله “لكانت إسرائيل قد سُحقت”. وأضاف...