غزة.. معركة الصمود التي أسقطت الأقنعة
السبيل – خاص
بعد عامين من الحرب الوحشية على قطاع غزة؛ تبرز الحقيقة التي لم يعد بالإمكان إنكارها: غزة انتصرت بصمودها، وفرضت حضورها على طاولة السياسة، كما فرضته في ميادين القتال.
فالإعلان عن التوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب لم يكن منحةً من أحد، بل ثمرة صبرٍ ومقاومةٍ أثبتت أن هذا الشعب، رغم الحصار والجراح، قادر على أن يغيّر المعادلات.
لقد أجبرت غزة القوى الكبرى على الاعتراف بواقعٍ جديد، وبأنّ استمرار العدوان لم يعد ممكناً لا عسكرياً ولا أخلاقياً، وأنّ الكلمة الأخيرة في الميدان كانت لمن صمد على الأرض، لا لمن امتلك الطائرات والدبابات.
لم تنتصر غزة بالسلاح وحده، بل بصمودها، بثباتها تحت الركام، وبقدرتها على تحويل معاناتها اليومية إلى فضيحة أخلاقية وسياسية عالمية كشفت زيف كثير من الادعاءات.
لقد عرّت المقاومة الفلسطينية الاحتلال أمام العالم، حين أظهرت أنه كيان قائم على القتل الممنهج والتدمير الشامل، وأن ما يسميه “دفاعاً عن النفس” ليس سوى غطاءٍ لمجازر جماعية تُرتكب بحق المدنيين العزّل. ولم يعد الاحتلال قادرا على إخفاء جرائمه أو تزييف صورته، بعد أن وثّقت عدسات الفلسطينيين المأساة لحظة بلحظة، حتى غدت مشاهد الدمار في غزة عنواناً لانهيار الرواية الإسرائيلية في الوعي الإنساني العالمي.
وفي المقابل؛ كشفت غزة حدود النظام الدولي ومؤسساته؛ فقد سقطت أمام صمودها كل شعارات “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي” حين وُوجهت الإبادة بالصمت، والمجازر بالبيانات الباردة، والاحتلال بالدعم العسكري والسياسي المفتوح، حيث بات واضحاً أن العدالة في هذا العالم تُقاس بموازين القوة، لا بالقيم أو المواثيق.
أما الموقف العربي؛ فإنّ ما جرى في غزة أعاد طرح السؤال القديم الجديد: أين الأمة من قضية فلسطين؟ لقد أظهرت الأحداث أن الشعوب لا تزال تنبض بحبّ فلسطين، وأنها تدرك – مهما حاول الإعلام إضعاف وعيها – أن غزة تقاتل دفاعاً عن شرف الأمة وكرامتها. وفي المقابل؛ باتت كثير من الأنظمة العربية في حرجٍ أمام شعوبها، إذ انكشفت الهوة بين إرادة الناس وخيارات السياسة.
كذلك، هزّت غزة أوساط الخطاب الديني الرسمي، حين تبيّن أن هناك من فضّل الصمت أو التبرير على الوقوف مع المظلوم، وأن الكلمة قد تكون أحياناً أشدّ أثراً من السيف. ومع ذلك؛ لم يخلُ المشهد من علماء ودعاة ومفكرين وقفوا بوضوح إلى جانب المقاومة، فذكّروا الناس بأنّ نصرة المظلوم واجب شرعي قبل أن تكون موقفاً سياسياً.
إن غزة، رغم جراحها، أعادت تعريف معنى الكرامة والصمود. فقد واجهت وحدها آلة حرب من أعتى ما عرفه العصر الحديث، في ظل حصار خانق وغياب الإسناد الحقيقي، لكنها بقيت تقاتل وتقاوم وتبني تحت النار.. إنها اليوم ليست مجرد قضية، بل اختبارٌ أخلاقيّ وإنسانيّ وحضاريّ، سقط فيه كثيرون ونجح القليل.
وغداً؛ حين يُكتب تاريخ هذه الحقبة، لن تُذكر الأرقام وحدها، بل سيُروى أن شعباً صغيراً محاصراً وقف في وجه قوى كبرى، فكشف زيف العالم، وأثبت أن إرادة التحرر لا تُقهر.