فن إدارة الحرب والمفاوضات من غزة إلى القاهرة.. كيف نقلت المقاومة الضغوط إلى ساحة الكيان؟
كتب: حازم عياد
واجهت المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس ضغوطًا غير مسبوقة في الأسابيع القليلة الماضية بلغت ذروتها في 72 ساعة الفائتة، تمثلت بحرب تجويع هددت حياة اكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، والإعلان عن اطلاق الاحتلال حملة عسكرية لاجتياح مدينة غزة، بالتوازي مع ضغوط إقليمية وعربية شملت الوسطاء للتعاطي مع مقترحات ستيف ويتكوف التي تقدم بها في تموز / يوليو الفائت.
الضغوط رافقها حملة إعلامية لتشويه موقف المقاومة، وتحميلها مسؤولية المعاناة التي يواجهها الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال، وعمليات ابتزاز ومضايقات دبلوماسية ارتبطت بترتيبات اليوم التالي للحرب؛ بنزع سلاح المقاومة، وتفكيك بنيتها، ونفي قادتها، وإحلال شركات وقوات دولية وعربية في قطاع غزة بإدارة وإشراف امريكي إسرائيلي لتهجير الفلسطينيين من ارضهم.
المقاومة واجهة الضغوط العسكرية بعمليات نوعية ألحقت خسائر كبيرة بقوات الاحتلال الإسرائيلي، قابلها أداء علامي فاشل وكارثي للاحتلال عجز عن تبرير المجازر والتجويع في القطاع، او تسويق الرواية الإسرائيلية، وهو أداء أنضج الخلافات والتباينات بين المؤسسة العسكرية التي يقودها رئيس الأركان ايال زامير والمستوى السياسي الذي يتزعمه نتنياهو، ليشارك في الجدل اكثر من 600 من الضباط والجنرالات المتقاعدين في الاحتياط الذين وضعوا الإدارة الامريكية في صورة الخلافات عبر رسالة تدعوها للضغط على المؤسسة السياسية لوقف الحرب، وإعادة التموضع الاستراتيجي والسياسي لوقف حالة الاستنزاف الداخلي والإقليمي والدولي التي يعاني منها الاحتلال دون طائل.
تعثر المسار التفاوضي في تموز/ يوليو الفائت، وتعنت نتنياهو ونزوعه نحو التصعيد فاقم أزمة العلاقة بين المكونات السياسية والعسكرية والمدنية والاقتصادية داخل كيان الاحتلال، خصوصا تجاه الخطوة التالية لتعثر المسار التفاوضي، وفاقمها ردود الفعل الدولية والغاضبة من سياسة التجويع التي اتبعها الاحتلال، وانقلاب الاستراتيجية على نحو هدد بمزيد من العزلة لحكومة الائتلاف الحاكم؛ إذ سرع في خطوات الدول الأوروبية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانضمام دول جديدة كانت تتحفظ وترفض الخطوة على رأسها إنجلترا، والأهم تخلق قناعات لدى الإدارة الامريكية بضرورة الاتجاه نحو مسار سياسي بديل للمسار العسكري الذي بات دون افق؛ اذ يعطل التفاعل السياسي مع المقترحات الامريكية، في مقابل تقدم المقترحات الفرنسية التي طرحت في مؤتمر حل الدولتين في نيويورك على نحو يهدد بعزل الولايات المتحدة ذاتها عن الحراك الدولي والإقليمي الذي تطمح بجعله بوابة للتطبيع والحلول السياسية.
قبول المقاومة بالوساطة المصرية يمثل إدارة ناجحة للمفاوضات وللحرب؛ إذ حررها من الضغوط الإقليمية والعربية والدولية، ونقلها الى ساحة نتنياهو وحكومته الذي يواجه الآن خيارات واستحقاقات صعبة، فالمضي قدمًا بالعملية العسكرية يعني مزيدًا من العزلة الداخلية والإقليمية، وارتفاع الكلف لحرب فقدت شرعيتها، في حين يضفي الشرعية والمشروعية على المقاومة وجهود حركة حماس في التصدي للاحتلال.
ختامًا.. القبول بمبادرة ويتكوف بوقف اطلاق النار يرفع من رصيد حركة حماس، ومكانتها في إدارة العملية السياسية، ويعزز قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية، فيما يعقد يعقد مسار عمل الإدارة الامريكية وشريكها نتنياهو ، وهو مسار مهدد بالتعطل والشلل الكامل في حال رفض نتنياهو الصفقة، فضلًا عن إمكانية تعقد المشهد الداخلي، وصعوبة متزايدة في التموضع الإقليمي والدولي للتعامل مع سوريا ولبنان والعراق واليمن وايران في الآن ذاته، وهو قرار سيبقى منوطًا بنتنياهو وحكومته، وليس بترامب وادارته التي ستتعامل مع الحقائق كما هي، ولكن ببرود أكثر تجاه نتنياهو ومشاريعه.