قصف المستشفى المعمداني في غزة.. رسائل ترهيب وابتزاز تفاوضي
السبيل – خاص
تعرض المستشفى المعمداني “الأهلي العربي” في مدينة غزة لقصف مباشر فجر الأحد، في هجوم هو الثاني من نوعه منذ بداية الحرب، بعد المجزرة الشهيرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في باحته منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأودت حينها بحياة نحو 500 فلسطيني.
القصف الجديد خلّف إصابات وأضراراً مادية في محيط المستشفى، وتسبب بحالة من الهلع بين المرضى والعاملين فيه، في وقت باتت فيه المستشفيات في المدينة شبه متوقفة عن العمل بسبب الحصار والقصف.
ويأتي هذا الهجوم في ظل تصعيد عنيف يستهدف شمال القطاع ووسطه، وسط تحذيرات أممية من انهيار ما تبقى من المنظومة الطبية، وغياب أي ممرات آمنة لنقل الجرحى أو إيصال المساعدات.
استهداف البنية المعنوية
يحمل استهداف المستشفى المعمداني أبعاداً تتجاوز الضرر المادي المباشر، فالمكان يُعد من أقدم وأهم رموز العمل الإنساني في القطاع، وله ارتباطات دينية وإنسانية تمتد إلى الخارج، باعتباره منشأة إنجيلية مدعومة من جمعيات مسيحية دولية.
هذا القصف المتجدد يأتي وكأنه رسالة متعمدة من الاحتلال بأن لا خطوط حمراء في عدوانه، حتى أمام المستشفيات التي لطالما شكلت ملاذاً أخيراً للمدنيين والجرحى، ما يعكس سياسة ممنهجة لضرب الرموز المعنوية التي تمنح السكان بعض الأمل.
كما أن اختيار هذا المستشفى بالذات يعكس سعي الاحتلال لتوجيه رسائل دولية، مفادها أن المؤسسات الدينية ذات الطابع الإنساني لن تُستثنى من الاستهداف إذا بقيت الضغوط السياسية والحقوقية تتصاعد ضده في المحافل الدولية.
الورقة الإنسانية في مفاوضات التهدئة
يترافق التصعيد الأخير، لا سيما القصف المتكرر للمستشفيات والمراكز المدنية، مع تكثيف الجهود الدولية لإنجاز اتفاق تبادل أسرى وتهدئة في غزة. وفي هذا السياق؛ يبدو أن الاحتلال يستخدم ورقة المجازر بحق المدنيين كورقة ضغط لتحسين شروطه التفاوضية.
ويُفهم استهداف المعمداني ضمن هذا السياق باعتباره محاولة لتكثيف الضغط على المقاومة وسكان غزة معاً، عبر إيصال رسالة بأن التصعيد سيتواصل ما لم تُقدَّم تنازلات واضحة، خصوصاً مع إصرار الاحتلال على ربط أي تهدئة بإفراج كامل عن الأسرى الإسرائيليين.
وقد تكررت هذه الرسائل خلال الأيام الماضية مع مجازر مروعة في رفح ومخيمات جباليا، ما يُظهر أن البعد التفاوضي بات مرتبطاً بشكل مباشر بتمادي الاحتلال في ارتكاب الانتهاكات كوسيلة لفرض أمر واقع تفاوضي على الأرض.
احتقار معلن للقانون الدولي
القصف الجديد يعيد التأكيد على نهج الاحتلال القائم على تجاوز القانون الدولي دون أدنى محاسبة، إذ يُحظر بموجب اتفاقيات جنيف استهداف المرافق الطبية أو استخدامها في العمليات القتالية، حتى في ظل النزاعات المسلحة.
ورغم أن المستشفى المعمداني معروف كمؤسسة طبية إنجيلية مدنية، إلا أن الاحتلال لا يميز بين منشأة عسكرية وأخرى إنسانية، ما يعكس انتهاكاً صريحاً ومكرراً لمبادئ القانون الإنساني الدولي وسط صمت دولي مطبق.
وقد وثّقت منظمات دولية مراراً استهداف الاحتلال لعشرات المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف في غزة منذ بدء العدوان، دون أن يترتب على ذلك أي إجراءات رادعة، ما شجع على تكرار هذه الجرائم وتصعيدها كما جرى في القصف الأخير.