بين أن تأتي متأخراً و”تمخض الجبل فولد فأراً”
عبد الله المجالي
كثير من المواقف قد ينطبق عليها أمثلة متناقضة، وهذا يعود إلى الزاوية التي يُنظر فيها إلى الأمر.
هذا ينطبق على توجه حكومة الدكتور جعفر حسان بزيادة 30 دينارا رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل عن رواتبهم عن 600 دينار.
أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا.. هكذا يصف البعض قرار الحكومة، فهم يحسبون لحسان جرأته في اتخاذ قرار لم تتخذه حكومة طيلة الـ15 عشر عاما الماضية.
في المقابل فهناك من يقول: “تمخض الجبل فولد فأرا”، فالزيادة المقرة هزيلة للغاية.
يمكن للثلاثين دينارا أن تساعد في دعم موازنة الأسرة الأردنية؛ حيث يمكنها أن تدفع فاتورة الكهرباء أو جزء منها لكثير من الأسر.. يمكنها أن تدفع فاتورة المياه أو جزء منها لكثير من الأسر.. يمكنها أن تدعم فاتورة النقل للأسرة وهي فاتورة باتت مرهقة جدا مع توالي ارتفاع أسعار المحروقات وتعرفة النقل العام.. يمكنها دفع فاتورة النت والهاتف أو جزء منها.. يمكنها دعم المشتريات الشهرية للأسرة من المواد التموينية.. يمكنها توفير مبلغ للحالات الطارئة..
على رسلكم.. فالثلاثون دينارا لا يمكنها تغطية كل ذلك.. لكن يمكنها أن تريح المواطن من إحدى تلك الفواتير أو جزء منها، وهذا بحده كان سيعتبره المواطن إنجازا لو جاءه من السماء ثلاثون دينارا شهريا.. أليس كذلك؟
في المقابل فإن الثلاثين دينارا لا يمكنها رتق كل خروق موازنة الأسرة الأردنية، فهي أكبر بكثير من أن تستطيع الثلاثون دينار أن تحدثه من فرق أو ترتقه من فتق.. فهي لا تكاد تغطي تكلفة مخالفة سير في ظل قانون سير مرعب ضاعف المخالفات وكأننا نعيش في دولة نفطية.. وهي لا تكاد تغطي كلفة مراجعة طبيب خاص مع وصفة الدواء أو صورة أشعة أو إجراء اختبارات صحية، حيث يضطر المواطن أخيرا إلى اتخاذ قرار صعب بزيارة الطبيب، وعمل تلك الإجراءات الصحية في ظل شبكة خدمات صحية حكومية متواضعة ومواعيد زمنية طويلة.. وهي لا شيء بالنسبة لأقساط مدارس خاصة يضطر المواطن إرسال أبنائه إليها في ظل نظام تعليمي حكومي ضعيف.. وهي لا شيء يذكر إذا ما أراد المواطن إصلاح سيارته المتهالكة أو تسبب بحادث لا سمح الله.. والقائمة هنا تطول.
المعاناة الحقيقية التي يعانيها المواطن الأردني هي اختلال معادلة تكاليف المعيشة مقارنة بالدخل؛ ففي حين تزداد تكاليف المعيشة بصورة مضطردة يظل الدخل ثابتا، خصوصا أن نسبة كبيرة من الأردنيين هم من ذوي الدخل الثابت سواء كانوا موظفين في القطاع العام أم الخاص. وزيادة الدخل على أهميتها لن تقلل من المعاناة، كيف وإن كانت الزيادة متواضعة جدا ولا تتناسب مع تكاليف المعيشة العالية. لذلك لا بد من تفكير حكومي خارج الصندوق لتعديل المعادلة المختلة.
يمكن للحكومة هنا اتخاذ قرارات جريئة بتخفيض الضرائب خصوصا على المواد التي يمكن لها أن تحدث أثرا عكسيا، حيث بدل أن تخفض إيرادات الخزينة يمكن لها أن تعادل الفاقد منها أو حتى زيادتها.
خذ على سبيل المثال تخفيض الضريبة الخاصة على المحروقات، أو تخفيض التعرفة الكهربائية، فإن ذلك سيقلل من تكاليف المعيشة بشكل واضح على شكل انخفاض في أسعار كثير من المواد، وتقليل بند النقل والكهرباء في موازنة الأسرة، ما قد يزيد من استهلاك المواطن ما قد يرفع قيمة إيرادات الخزينة من ضريبة المبيعات والدخل. إضافة لدور تخفيض المحروقات أو الكهرباء في تحفيز الإنتاج وزيادة تنافسية الصادرات الأردنية في الخارج ما قد يساعد في تطوير القاعدة الصناعية والزراعية، وحتى يمكن لذلك الإجراء تحسين القطاع السياحي، إذ سيجعل الأردن وجهة منافسة نظرا لانخفاض الأسعار.