رصاصة في وجهه وهو بحضن أمه.. هكذا تحول يوم ميلاد الرضيع سام إلى يوم استشهاده
الخليل – وكالات
بعد سويعات من مواراته الثرى، ما يزال الأب فهد أبو هيكل، المحاضر الجامعي المقيم في مدينة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية وعائلته؛ يعيشون صدمة فقدانهم رضيعهم سام ابن الشهور السبعة، الذي انهى الاحتلال حياته برصاصة أطلقها أحد جنوده نحو مركبة عائلته جنوب مدينة الخليل، في حادثة تركت جرحاً عميقاً في قلوب أسرته؛ وأعادت إلى الواجهة معاناة العائلات الفلسطينية التي تعيش تحت وطأة الاحتلال.
لم يكن سام قد تعلّم المشي بعد، ولم ينطق كلماته الأولى، لكن اسمه بات يتردد في أرجاء مدينة الخليل؛ بعدما تحولت رحلة عائلية قصيرة إلى مأساة انتهت باستشهاده وإصابة والديه وجدته.
القصة بدأت، عندما قررت العائلة مساء الجمعة العودة إلى منزلها في حي تل الرميدة بمدينة الخليل بعد أن أمضت عطلة نهاية الأسبوع في بيت لحم. جلس الأب خلف المقود، بينما احتضنت الأم الطفل الرضيع سام في المقعد الخلفي، وإلى جانبه شقيقه الأكبر كنان.
لم تكن العائلة تعلم أن الدقائق الأخيرة قبل الوصول إلى المنزل ستكون الأخيرة في حياة الطفل.
وتقول الجدة فريال أبو هيكل، في حديثها لـ”قدس برس”، إن العائلة كانت تقترب من منزلها في منطقة تل الرميدة عندما فوجئت بوجود قوة من جيش الاحتلال في منطقة وادي الهرية المؤدية إلى الحي.
وأضافت أن نجلها أبطأ المركبة، ورفع يديه عن المقود استعداداً للعودة إلى الخلف، رغم أن الجنود لم يوجهوا أي تعليمات أو إشارات بالتوقف أو الرجوع.
وتتابع بصوت يثقله الألم: “فجأة أطلق أحد الجنود النار باتجاه السيارة، لم يكن هناك أي تحذير أو خطر يهددهم، خلال ثوانٍ تحول كل شيء إلى دم وصراخ”.
وبحسب رواية العائلة، اخترقت الرصاصة الزجاج الأمامي للمركبة وارتطمت بالمقود قبل أن تتشظى، فيما أصابت رصاصة أخرى الطفل سام مباشرة في وجهه بينما كان في حضن والدته، لتخترق رأسه ثم تصيب والدته في الفك والوجه.
وتصف الجدة المشهد بأنه الأصعب في حياتها، قائلة: “رأيت الدماء تتدفق من سام ومن أمه في الوقت نفسه؛ كان مشهداً لا يمكن وصفه؛ لم أكن أصدق أن الطفل الذي كان يضحك ويلعب قبل ساعات قليلة أصبح بين الحياة والموت”.
وتضيف أن العائلة سارعت إلى نقل الطفل ووالدته إلى مستشفى الخليل الحكومي، لكن الأطباء أعلنوا لاحقاً استشهاد الرضيع متأثراً بإصابته الخطيرة.
أما والدة سام، التي أصيبت أثناء احتضانها لطفلها، فلم تكن تعلم لساعات طويلة أن ابنها استشهد، إذ واصلت السؤال عنه داخل المستشفى بينما أخفت العائلة عنها الخبر خشية تدهور حالتها الصحية.
وتستعيد الجدة آخر لحظاتها مع حفيدها قائلة: “في ظهر ذلك اليوم صورت سام بهاتفي للمرة الأولى، كان سعيداً يلهو ويشرب الماء ويدفع عربته الصغيرة. لم أتخيل أن يكون ذلك آخر تسجيل له”.
وتزداد المأساة إيلاماً حين تروي الجدة أنها أخبرت والدة الطفل صباح ذلك اليوم بأن سام أكمل سبعة أشهر من عمره بالضبط، إذ ولد في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي واستشهد في الخامس من حزيران/يونيو، في مفارقة مؤلمة حولت يوم ميلاده الشهري إلى يوم رحيله.
من جانبه، قال علاء أبو هيكل، عم الطفل، لـ”قدس برس”، إن أفراد العائلة ما زالوا غير قادرين على استيعاب ما حدث.
وأضاف: “لم يكن هناك أي اشتباك أو مواجهة في المكان. سام كان رضيعاً يجلس في حضن أمه داخل سيارة عائلية. خرجوا في رحلة عادية لإيصال الجدة إلى منزلها، فعادوا بجثمان طفل”.
وأشار إلى أن الحي الذي تسكنه العائلة في تل الرميدة يعد من أكثر مناطق الخليل تعرضاً لإجراءات الاحتلال، حيث تحاصره الحواجز العسكرية والبؤر الاستيطانية منذ سنوات طويلة.
وفي ساعات الليل، تحوّل منزل العائلة إلى بيت عزاء استقبل المعزين الذين صدمتهم الحادثة، فيما شيّع الفلسطينيون صباح السبت جثمان الرضيع من مسجد أبو عيشة في مدينة الخليل، وسط مشاهد حزن واسعة.
وكان جيش الاحتلال قد أقر بإطلاق النار على المركبة، مدعياً في بيان أولي أن السيارة “تسارعت باتجاه الجنود”، قبل أن يعترف لاحقاً بأن أفراد العائلة لم يكونوا متورطين في أي حادث أمني، معلناً فتح تحقيق في الواقعة.
لكن بالنسبة لعائلة أبو هيكل، فإن أي تحقيق لن يغير حقيقة واحدة؛ أن رحلة عائلية اعتيادية لإعادة أم إلى منزلها انتهت بفقدان طفل لم يتجاوز عمره سبعة أشهر، وأن حضن أمه الذي يفترض أن يكون المكان الأكثر أمناً في العالم، تحول في لحظة إلى مسرح لجريمة أنهت حياة الرضيع سام قبل أن يبدأ اكتشاف الحياة.