في غزة.. هكذا يوظَّف التجويع كمشروع ربحي ومواقف سياسية
غزة – وكالات
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فرضت دولة الاحتلال الإسرائيلي قيودًا مشددة على حجم المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها إلى القطاع، مستخدمة إياها كأداة ضغط. الهدف المُعلن: تحقيق النصر العسكري. أما الهدف غير المُعلن: التطهير العرقي.
لسنتين كاملتين، حاولت دولة الاحتلال التستّر على صور الأطفال الجائعين، خشية من الضغط الدولي. لكن في الأشهر الأخيرة، تعاملت مع مشاهد المجاعة باعتبارها مجرّد أزمة علاقات عامة، تسعى إلى نفيها أو الطعن في السجل الطبي للأطفال. وكأن تجويعهم حتى الموت يصبح “مشروعًا” إذا كانوا يعانون أصلًا من أمراض.
وبحسب تقرير نشره موقع /ميدل إيست آي/ البريطاني، اليوم الأربعاء، فإن الاحتلال تُنفذ سياسة التجويع عبر أربعة مستويات:
1. تقليص المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة بشكل حاد.
2. دعم ميليشيات مسلّحة تنهب جزءًا من المساعدات وتبيعها بأسعار باهظة.
3. تفكيك النسيج المجتمعي عبر استهداف الشرطة والبلديات والمتطوعين والأطباء والصحفيين.
4. استخدام ما يُسمّى بـ “مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)” كغطاء يتيح لها الادعاء بأن المساعدات تصل إلى القطاع.
التهجير عبر المساعدات
أكد التقرير أن دولة الاحتلال تستغل “مؤسسة غزة الإنسانية” لدفع السكان نحو الجنوب، حيث تحوّلت نقاط التوزيع إلى “مصائد موت”. وأشار إلى أن أكثر من 2000 شهيد وآلاف الجرحى سقطوا أثناء محاولاتهم الوصول إلى منصات المساعدات التابعة للمؤسسة.
الفوضى كأداة
أوضح التقرير أن جوهر عمل “مؤسسة غزة الإنسانية” هو الفوضى، إذ يُجبر الجائعون في غزة على الانتقال إلى أربع منصات توزيع فقط، جميعها تحت سيطرة الاحتلال وبحراسة أمريكية. وتلك المراكز لا تُفتح يوميًا، وأحيانًا تُغلق أبوابها بعد 20 دقيقة فقط.
وبحسب بيانات المؤسسة، وُزع حتى 3 أيلول/سبتمبر الجاري نحو 152 مليون حصة غذائية خلال ثلاثة أشهر ونصف، أي أقل من ربع الاحتياج الفعلي. جزء منها يُباع في السوق السوداء: أفراد يبيعون الطحين لشراء أغذية أخرى، فيما يُرسِل عملاء الاحتلال شبّانًا للاستحواذ على المساعدات ثم إعادة بيعها بأسعار مضاعفة.
الهجمات على طالبي المساعدات
استند التقرير البريطاني إلى شهادات ناجين، ومقاطع فيديو، وتصريحات موظفين سابقين في المؤسسة، إضافة إلى روايات أطباء أجانب. وجميعها تؤكد وجود نمط ثابت: قنص مباشر، هجمات بطائرات مسيّرة، قصف مدفعي ودبابات، مروحيات، زوارق حربية، رش غازات خانقة، بل دهس بزحافات واختناقات في الزحام.
إلى جانب ذلك، تُستخدم مواقع التوزيع كمنصات لجمع معلومات استخباراتية. إذ تُثبَّت كاميرات مزوّدة بخاصية التعرّف على الوجوه تبث مباشرة إلى غرفة تحكّم قرب معبر كرم أبو سالم، يديرها جنود إسرائيليون ومحللون أمريكيون. وعند ظهور شخص “مطلوب”، تُعرض بياناته فورًا، ما يربط قاعدة بيانات “مؤسسة غزة الإنسانية” بالأمن الإسرائيلي بشكل مباشر.
صراع مع المنظمات الدولية
تسعى “مؤسسة غزة الإنسانية” إلى تسويق نفسها كبديل فعّال وآمن للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، متهمةً إياها بالفشل و”مساعدة حماس”.
وتضغط كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لنقل المساعدات عبرها، وتحاولان فرضها كـ”نموذج عالمي”. غير أن وكالات الإغاثة الدولية رفضت التعاون، مؤكدة أن ما يجري يشكّل انتهاكًا مباشرًا لمبادئ الحياد والاستقلال والإنسانية.
الخلاصة
يؤكد التقرير أن نموذج “مؤسسة غزة الإنسانية” ليس عملًا إنسانيًا، بل “مشروع ربحي” مموه، تحصد من خلاله بعض الشركات عقودًا بملايين الدولارات، فيما يتقاضى الحراس أجورًا باهظة، ويستخدمه الساسة كأداة “تطهير عرقي”.
الخاسرون هم الأضعف: من لا يستطيع الركض نحو صناديق الطعام، ومن يسقط برصاص أو اختناق في الطريق.
ويخلص التقرير إلى أن “الأخطر أن صمت المجتمع الدولي على هذا النموذج يسرّع انهيار النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ويمهّد لاستخدام المساعدات كسلاح ضد شعوب أخرى مستقبلًا”.
وتشن قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مطلق حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت، وفق إحصائية مفتوحة، 64 ألفًا و964 شهيدا بالإضافة إلى 165 ألفا و312 جريحا، وأكثر من 9 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة المئات، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قسري وسط دمار شامل.