في وجه “مسيرة الأعلام”.. هكذا تكون القدس وحيدة عندما تغيب غزة
السبيل – خاص
شهدت مدينة القدس المحتلة، يوم أمس، واحدًا من أكثر المشاهد استفزازًا وعدوانية ضد المقدسات الإسلامية، خلال ما يُعرف بـ”مسيرة الأعلام”، التي نظمها مستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال.
وقد تجاوزت المسيرة طابعها الاستفزازي المعتاد، إلى مستوى غير مسبوق من الإساءة، حيث تعالت الهتافات التي شتمت النبي محمد ﷺ علنًا مئات المرات، وبألفاظ مباشرة فاحشة، وسط أعلام الاحتلال الزرقاء والبيضاء.
وترافق شتم المستوطنين للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، مع اقتحامات متكررة لباحات المسجد الأقصى، واعتداءات على المقدسيين، في مشهد بات متكرراً كل عام، ولكنّه هذه المرة خلا من أي رادع، بعد تغييب الدور الحقيقي الذي كانت تمثله غزة كمصدّ وحائط حماية.
غزة.. بوابة الدفاع عن الكرامة
في السنوات الماضية؛ وتحديداً في مايو 2021، لم تمر مسيرة الأعلام دون رد غزة، فبرغم الحصار الخانق والجراح المفتوحة، خرجت لتقول كلمتها، ولتربك حسابات الاحتلال. آنذاك؛ حين علت الهتافات ذاتها وتكرر الاستفزاز ذاته، أطلقت المقاومة الفلسطينية في غزة صواريخها تجاه القدس، معلنة بوضوح أن الأقصى ليس وحده، وأن المساس به لن يمر دون عقاب.
وكان ذلك الرد بمثابة إعلان غير رسمي عن معادلة جديدة: “المسجد الأقصى = خط أحمر“. ومنذ ذلك الحين باتت غزة تُعرف بأنها “درع القدس”، واليد التي ترتفع عندما تصمت الألسنة، وتتحرك حين تتجمد الإرادات.
لكن مشهد الأمس في القدس، بكل ما حمله من قبح، مرّ دون رد يُذكر، لا من جهة رسمية، ولا من الشعوب، ولا حتى من المقاومة في غزة التي أنهكها الحصار والعدوان المستمر منذ أكتوبر 2023، وأُريد لها أن تُدفن تحت ركامها، وأن تنشغل بجراحها المفتوحة، وأكوام شهدائها ونازحيها ومخيماتها المحاصرة.
القدس وحيدة بغياب غزة
وحدها غزة حين كانت قادرة غيّرت المعادلة، وشكلت توازن رعب حقيقي مع الاحتلال، وأثبتت أنها لا تدافع عن نفسها فقط، بل عن القدس والأقصى، وعن هوية أمة بأكملها، وكل من استهزأ بدورها، أو قلّل من تأثيرها، شاهد الآن -بالصوت والصورة- كيف تكون القدس وحيدة عندما تغيب غزة.
لم تخذل غزة القدس يومًا، بل كانت وحدها من بادرت، وحدها من دفعت الدم والدمار ثمنًا للكرامة، ولم تكن غزة مجرد منطقة جغرافية تقاتل دفاعًا عن نفسها، بل كانت – كما قالت مرارًا – رأس حربة في الدفاع عن الأقصى، وحائط صد في وجه التهويد، وصوتًا مرتفعًا في زمن الصمت العربي المطبق.
لقد صدقت غزة حين قالت إنها حجر العثرة أمام تمدد المشروع الصهيوني. لم يكن ذلك خطابًا عاطفيًا، بل حقيقة ميدانية وسياسية، دفعت الاحتلال إلى إعادة النظر في سياساته، وكبحت طموحه في فرض واقع نهائي في القدس.