Menu
الأربعاء 29 آذار 2017

الخصخصة والليبراليون


د. حسين البناء
 مع بداية نشوء الدولة -وخاصة تلك التي تحررت من الاستعمار الحديث- كان لزاماً وقتئذ على الدولة (القطاع العام) الاضطلاع بدور اقتصادي رئيسي أمام إحجام القطاع الخاص عن الاستثمار في قطاعات شتى من الاقتصاد، وهذا الإحجام عائد إما لعدم رغبة الشركات بالمخاطرة أو عدم توافر القدرة المالية للقيام بحجم معين من الاستثمار، أو غياب الخبرات الفنية والإدارية اللازمة في بعض القطاعات الاقتصادية.
بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتراجع الفكرة الاشتراكية والانخراط في السوق الحر المفتوح على مستوى العالم على صورة العولمة التي نعيش، وفي ضوء تنافسية محتدمة جرّاء ذلك الانفتاح، كان من الطبيعي انكشاف عورة المؤسسات العامة التي لطالما كانت تدار بعقلية المنفعة العامة، والتشغيل للمواطنين على حساب مبدأ الكفاءة والربحية بحكم طبيعة التأسيس وفلسفة التشغيل في ذاك الزمان.
مع تنامي دور القطاع الخاص وتراكمية الثروة لدى الأفراد، مضافاً لذلك تدفق الاستثمار الأجنبي بشتى أشكاله، بدأت تتفشى ظاهرة (الخصخصة أو التخاصية أو الخصوصة بمعناها المعروف Privatization) في معظم دول العالم، والعالم العربي جزء من ذلك التغيّر بطبيعة الحال، فكان أن قامت الدولة بنقل ملكية المؤسسات العامة للأفراد من مستثمرين في القطاع الخاص بشكل كامل أو جزئي أو تعاقدي في حيثيات معينة أو بمستويات أقل على هيئة عقود خدمات ومشاركة في الإدارة والتشغيل في أحيان أخرى.
الخصخصة ليست مشكلة بحد ذاتها؛ فهي جزء من مسيرة تطور الاقتصاد والدولة الحديثة، لكن الإشكالية بمنطق وفلسفة وطريقة التحول الاقتصادي التي تمت، تلك الفلسفة التي قادها ليبراليون نظروا للمؤسسات العامة كعبء ثقيل على الحكومة لا بد من التخلص منه بأي ثمن وشكل كان، وهنا تكمن الكارثة.
السؤال الكبير الذي تجاهله ساسة الليبرالية لوقت طويل هو: ماذا نبيع من مؤسسات؟ ولماذا؟ وبأي ثمن؟ وأين نضع الأموال التي تحصّلت بفضل الخصخصة؟ إن المتابع لبرامج الخصخصة التي تمت في بلاد كثيرة ومنها العربية يدرك بأن لا إجابة شافية لأي من تلك التساؤلات، الأمر الذي جعل شبهات الفساد والانتفاع الشخصي طاغية على مشهد معظم تلك البرامج التي تم تسويقها كبرنامج تحول أو تصحيح اقتصادي للدولة. ولعل أبرز التساؤلات التي لا تجد جواباً بما يتعلق بمجريات عملية الخصخصة هي:
لماذا يتم بيع مؤسسة عامة ناجحة وتدر أرباحاً عظيمة للخزينة العامة للدولة؟ لماذا يتم بيع مؤسسة عامة تقدم سلعا أو خدمات حساسة وذات أبعاد استراتيجية لبقاء الدولة وسياديتها ومستقبلها؟ لماذا يتم إفشال بعض المؤسسات العامة وتدمير هيكلها وطريقة عملها ومن ثم تقسيمها بحيث يبرر ذلك ضرورة التخلص منها وبيعها؟ لماذا يتم بيع مؤسسة عامة بأقل من قيمتها السوقية والمحددة بصافي الأصول أو سعر السهم السوقي؟ لماذا تم إساءة استثمار الأموال من عوائد الخصخصة ؟ ولماذا لم يتم إعادة استثمارها بمشاريع عامة ومؤسسات جديدة تحتاجها الدولة؟ لماذا لم تتم عملية البيع بالعلن وبشفافية كاملة؟ وتم الاكتفاء بإعلان البيع بدون أدنى مبررات تحقيق الصالح العام!
نستطيع تقبل مبدأ الخصخصة كجزء من مسيرة تطور الدولة وتغيّر أدوارها، ولكن الطريقة المثلى لتنفيذ ذلك تتطلب خبرةً وتقييماً أعمق من الذي تم. بعض الدول قامت ببيع الكثير من مؤسساتها العامة بأفضل الأسعار، وبأفضل الشروط، وبشفافية كاملة، وتم إعادة استثمار العوائد في شركات عامة ضرورية للدولة، فكان أن كسبت تلك الدول مرتين، الأولى عند البيع بأفضل الظروف والثانية عند إعادة الاستثمار بأفضل الفرص والحاجات المحلية التنموية الملحّة.
ما زال هناك بديل كامل للخصخصة، وهو تحويل المؤسسة العامة لشركة مساهمة خاصة أو عامة بنسبة ملكية محدودة للقطاع الخاص، ومن ثم إدارة تلك الشركة بعقلية الكفاءة والربحية وتبقى خاضعة للرقابة العامة ولحاكمية تضمن حسن الإدارة والتشغيل، هذا البديل يحقق المنفعتين في ذات الوقت، بقاء الملكية والسيطرة للدولة، والعمل بفلسفة وآليات السوق الحر.
 

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى