Menu
الإثننين 24 نيسان 2017

أمريكا.. والانقسام حول ترامب

أمريكا.. والانقسام حول ترامب
جيمس زغبي*
على مدار سنوات، طرأت انقسامات كثيرة على المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي في الولايات المتحدة. وبعض تلك الانقسامات كانت فلسفية أو إقليمية أو عرقية أو اقتصادية أو مرتبطة بالنوع أو العمر. لكن أيّاً منها لم يكن عميقاً أو مرهقاً مثل ذلك الانقسام الذي يصيب الشعب الأمريكي في الوقت الراهن.
والانقسام الحالي مختلف لأنه يتجاوز الحدود الديموغرافية، ولاسيما الجانب العرقي، ولا يتمحور بشكل كبير حول الأفكار أو المشكلات، وإنما يرتكز على شخص واحد هو دونالد ترامب.
 ولست واثقاً مما إذا كان هو مصدر ذلك الشقاق أم أنه مجرد عرَض له. ولكن سواء أكان مصدراً أم عرضاً أم كليهما، فالواضح أن هذا الانقسام يتمحور حوله. وعند الاستماع إلى محادثات حول الرئيس ترامب، يشعر المرء وكأننا أصبحنا في دولتين منفصلتين.
وزهاء 60 في المئة من الأمريكيين لا يثقون في ترامب، بل ويعتبرونه مندفعاً وغريب الأطوار وغير متزن، وإما أنهم يستاؤون من سلوكياته أو يشعرون بالحرج منها، ويساورهم القلق من أن يتسبب في أضرار مستديمة للبلاد ومؤسساتها.
وخلال الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» سلسلة من الافتتاحيات المطولة سلطت الضوء على توجهات الـ60 في المئة الذين لا يثقون في ترامب. وشكلت الافتتاحيات في مجملها «انتقادات مريرة» بسبب المخاطر التي تمثلها رئاسة ترامب على الولايات المتحدة وثقافتها السياسية ومؤسساتها.
واتهمته بإظهار «ازدراء واضح للحقيقة»، والتعبير عن آراء ترتكز على نظريات مؤامرة عرقية، واستهداف مشاعر الظلامية والغضب والشعور بعدم الأمان الكامنة في كل منّا، واستثارتها لأغراضه الخاصة، و«إضعاف الثقة الشعبية» في المؤسسات الأمريكية المحورية، وخصوصاً الصحافة الحرة والقضاء المستقل والعملية الانتخابية.
وفي فقرة مؤثرة بشكل خاص من إحدى الافتتاحيات، كتبت الصحيفة: إن أكثر الأمور المثيرة للقلق تتعلق بترامب نفسه، فهو رجل من الصعب التنبؤ بمواقفه، ومتهور وشرس، ومفرط في إكبار ذاته، وغير متقيد بالواقع بدرجة تجعل من المستحيل معرفة إلى أين ستقود رئاسته أو تقوض الدولة الأمريكية. كما أن هوسه بسمعته وثروته ونجاحه وتصميمه على سحق أعدائه، الحقيقيين والمتخيلين، ورغبته الملحّة في أن تطلق عليه هذه الصفات كانت في جوهر حملته الانتخابية المنفّرة. ولكن على رغم أن بعض تلك الصفات ساعدته على الفوز في الانتخابات، إلا أنها في ظل الرئاسة الفعلية، التي يتمتع فيها بقوة لا تضاهى، تبدو كارثية.
وفي حين أنني أقر بأنني مقتنع تماماً بآراء «التايمز»، لكنني أدرك أيضاً مدى أهمية أن نتذكر الـ40 في المئة من الأمريكيين الذين يتبنون وجهة نظر مختلفة تماماً تجاه الرئيس الذي انتخبوه، إذ يعتبرونه صادقاً، ويمثل أملهم الأخير والأفضل في استعادة القيم التقليدية التي يشعرون أنها في خطر الضياع.
وقد وضعوا ثقتهم فيه ويعتقدون أنه زعيم قوي وصاحب مبادئ يدافع عنهم وعن مصالحهم، وسيجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وحتى الآن، يسارعون لحضور مؤتمرات ترامب، ويحتفون به ويؤمنون به.
وبالطبع، هم مخلصون لرئيسهم ويرفضون أي انتقاد له، ويبدو أنهم يقاومون أية حقائق تقف في طريق تأييدهم، حتى رغم تراجعه عن قضايا كانت محورية في حملته، مثل بناء جدار تدفع المكسيك مقابله، أو إدلائه بأكاذيب، مثل الحديث عن حشود أو معدلات تأييد أكبر بكثير من الرئيس أوباما.
ومن الصعب فهم كيف استطاع الإنجيليون انتخاب شخص تزوّج ثلاث مرات، أو السبب الذي حمل كثيراً من النساء على التصويت لشخص كاره للمرأة، وتحدث عنها بعبارات تقلل من شأنها. أو السبب الذي دفع أمريكيين يواجهون صعوبات اقتصادية إلى وضع ثقتهم في شخص دمر عشرات الآلاف من العمال الكادحين مثلهم في حالات إفلاسه المتعددة.
ومن الناحية الأكاديمية، يمكنني أن أتفهم ما يحدث، ولكنني في الحقيقة قلق لأنني درست الحركات التي ظهرت في المجتمعات في ظل ضغوط شديدة، وما تمخض عنه ذلك من صدمة مجتمعية. وعلى الصعيد الفكري، يساورني القلق لأن الانقسام الشديد بين من يعتقدون أن ترامب سينقذنا، ومن هم مقتنعون بأنه سيتسبب في دمارنا، أصبح عميقاً بدرجة تجعل من المناقشات المتعقلة أمراً مستحيلاً!

* رئيس المعهد العربي الأمريكي- واشنطن

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى