Menu
الأحد 22 كانون الثاني 2017

قرار مجلس الأمن الدولي ٢٣٣٤: انتصار للحق الفلسطيني أم إعادة إنتاج للتفاوض الثنائي

قرار مجلس الأمن الدولي ٢٣٣٤: انتصار للحق الفلسطيني أم إعادة إنتاج للتفاوض الثنائي

د. حسن أيوب
رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية

 بعد مرور أيام على صدور قرار مجلس الأمن الدولي ٢٣٣٤، تستمر ردود الفعل على كل المستويات السياسية والإعلامية والقانونية تتواصل لدي الطرفين الأساسيين المعنيين بالموضوع: الفلسطينيون لا يخفون ابتهاجهم بالقرار ويرون فيه انتصارا لعدالة قضيتهم ونقطة تحول في مجرى العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية، وبخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد امتنعت عن التصويت، الأمر الذي مكن مجلس الأمن من تمريره. فهل هنالك فعلا ما يبرر الابتهاج الفلسطيني، أو ما يستحق ردة الفعل الهستيرية لحكومة نتنياهو؟ الأمر يستحق التأمل والنظر عن قرب لتفاصيل القرار، وربما الأهم لسياقات تمريره، وبالذات من قبل الولايات المتحدة.
المعروف بأن القرار يطالب "إسرائيل" بالتوقف عن النشاطات الاستيطانية في المناطق الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وهو الجانب الذي يحرص الفلسطينيون على إظهاره والتركيز عليه. يصف د. ناصر اللحام البند الخامس بأنه أخطر ما في القرار لجهة أنه(أي القرار) يعتبر المستوطنات غير قانونية، وأقيمت على أراض محتلة، ويوصي جميع الدول الأعضاء بمقاطعتها. بقدر صحة هذا التوصيف، فإن حيثيات اتخاذ القرار وبنوده الأخرى تدعونا للتفكير، علما بأن القرار يخلو من أية دعوة لمقاطعة المستوطنات دعك من مقاطعة "إسرائيل" صاحبة مشروع الاستيطان.
(1) القرارات السابقة: السياقات والدلالات
قبل الدخول في تحليل سياقات القرار ومحتواه، لا بد لنا من ملاحظة بأنه ليس القرار الأول من نوعه. لقد تداولت وسائل الإعلام العديد من التصريحات لمسؤولين فلسطينيين يشيرون إلى أنه القرار الأول منذ ٣٦ عاما بشأن الاستيطان، وهذا صحيح من الناحية التقنية، لكنه غير دقيق من حيث المدلولات السياسية والقانونية. فمنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية عام ١٩٦٧ تحرك مجلس الأمن الدولي لكف "إسرائيل" عن التعامل مع مدينة القدس باعتبارها عاصمة لها. فالقرارات ٢٥٠، ٢٥١، و٢٥٢ الصادرة عن مجلس الأمن في سنة ١٩٦٧ تدين حتى مجرد إجراء "إسرائيل" عروضا عسكرية في المدينة المحتلة، وتعتبر بأن الخطوات الإسرائيلية لتوحيد المدينة غير سارية ولاغية. إن هذا التأكيد واللغة غير المواربة المستخدمة في هذه القرارات تشير بوضوح إلى أن القرارات اللاحقة، بما فيها قرار ٢٣٣٤، ليست بمستوى التطورات التي لحقت بالوضع الفعلي لمدينة القدس والمناطق المحتلة.
بالعودة إلى الـ ٣٦ سنة التي يشار لها فلسطينيا، فإن القرار ٤٤٦ لسنة ١٩٧٩ (والحديث دوما عن مجلس الأمن الدولي) يعتبر أن" المستوطنات الإسرائيلية تشكل عقبة جدية أمام السلام، ويطالب "إسرائيل" بالالتزام باتفاقية جنيف الرابعة". وتوالت القرارات الخاصة بهذا الشأن في نفس العام: قرار ٤٥٢ يطالب "إسرائيل" بالامتناع عن بناء المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة بعدوان ١٩٦٧؛ قرار ٤٦٥ يشجب المستوطنات الإسرائيلية ويطالب الدول الأعضاء بالامتناع عن تقديم أي عون "للمشروع الاستيطاني"؛ قرار ٤٧٦ يعيد التأكيد على أن كل الإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس لاغية وباطلة، وبأن تغيير الواقع في المدينة هو انتهاك فظ لاتفاقية جنيف الرابعة.
جاءت كل هذه القرارات في ظل تسلم حزب الليكود للحكم في "إسرائيل" لأول مرة منذ نشوئها، وفي سياق النشاط الاستيطاني المحموم الذي مارسته حكومة "مناحيم بيغن"، وبشكل خاص من خلال حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية، حيث كانت عقيدة "أرض "إسرائيل" الكبرى" هي التي توجه هذه السياسة. بنفس الوقت كانت هذه العقيدة تعتبر محل استنكار وشجب على كل المستويات، وبالذات في المجتمع الدولي. اليوم، وبعد مرور ٣٦ عاما على هذه القرارات لم تعد أيديولوجيا ""إسرائيل" الكبرى"، مضافا لها كلمة "يهودية" محل الإدانة والرفض، إنما الاستيطان بحد ذاته. كأن الاستيطان هو من صنع الطبيعة، وليس وليد ذات الأيديولوجيا التي تحرك حكومة نتنياهو ودولة "إسرائيل".
إن الفترة الزمنية التي توقف فيها مجلس الأمن الدولي عن إصدار القرارات الخاصة بالممارسات الإسرائيلية غير القانونية، بخاصة التي تخرق اتفاقية جنيف الرابعة للعام ١٩٤٩، تنقسم إلى مرحلتين: الأولى هي الثمانينيات حيث تصدر اهتمامات المجتمع الدولي كلا من عدوان "إسرائيل" الواسع على لبنان، ثم الانتفاضة الفلسطينية الأولى المجيدة. لقد تميزت سنوات النصف الثاني من هذا العقد بتراجع لأعمال التوسع الاستيطانية الإسرائيلية بفعل الانتفاضة الباسلة. دخلنا بعدها في حقبة "أوسلو"، والتي ميز موقف المجتمع الدولي خلالها العمل في إطار الافتراض بأن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في طريقه للتسوية، وهو الافتراض الذي روجت له الولايات المتحدة الأمريكية وعززته باستخدام حق النقض بوجه كل محاولات إدانة السياسات الإسرائيلية بذريعة أساسية هي أن التدخل الدولي من خلال الهيئات الدولية سيمس بفرص التوصل لتسوية من خلال التفاوض. وهو عين الافتراض الذي قبلت به القيادة السياسية الفلسطينية على طول الخط.
هنالك مناسبتان استثنائيتان أصدر فيهما مجلس الأمن الدولي قرارات تتعلق بالسياسات الإسرائيلية في تلك الحقبتين: الأول عندما صدر القرار١٠٧٣ لسنة ١٩٩٦ والذي يطالب "إسرائيل" بوقف والتراجع عن كل إجراءاتها في مدينة القدس. كان ذلك لفعل "هبة النفق"، التي أعقبت قيام حكومة نتنياهو بالذات بفتح نفق أسفل المسجد الأقصى، الأمر الذي هدد مسيرة التسوية (أي انهيار الافتراض بأن ثمة تسوية)، فجاء القرار ليعيد مسار التسوية إلى طاولة التفاوض. والاستثناء الثاني كان صدور قرار ١٣٩٧ لسنة ٢٠٠٢ الذي طالب بوقف العنف بين الطرفين وهو أول قرار لمجلس الأمن يدعو إلى حل الدولتين كنهاية للصراع. وجاء القرار في سياق محاولة إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للاستجابة لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي أريل شارون بتقديم تسوية لا تحترم أو تعترف بحدود العام ١٩٦٧ كأساس للتسوية، بل تخضعها للاعتبارات الأمنية والجيو-استراتيجية لدولة "إسرائيل"، وفي هذا الإطار لا مشكلة من الحديث عن حل الدولتين.
(2) الموقف الأمريكي: الإبقاء على الوضع القائم
إن امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على القرار 2334 هو الجانب الأكثر دلالة في صدور هذا القرار لجهة استمرار نهج التفاوض الثنائي لتحقيق حل الدولتين. هذا الحل لم يعد ممكنا على الأقل بحكم أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي قد بلغ ذروة غيرت من طبيعة الصراع. فالوجود الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية قد تحول، إلى جانب كونه احتلالا عسكريا تنطبق عله اتفاقية جنيف الرابعة، إلى استعمار استيطاني (كولونيالي) لا يستقيم معه الحديث عن دولة فلسطينية ذات مغزى حقيقي. إلا إذا كان الحديث يدور عن كاريكاتور دولة منزوعة من معانيها السيادية وتتعايش مع الاستعمار الاستيطاني والاحتلال. من هذه الزاوية فإن امتناع الولايات المتحدة لا يمكن قراءته باعتباره انحياز للحقوق الفلسطينية. إن استمرار احتفاظ الولايات المتحدة بتفردها بدور الوسيط (الوسيط غير النزيه بلغة نصير عاروري، ووسيط الخداع بلغة رشيد خالدي) في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يبقى مصلحة عليا بالنسبة لواشنطن. يبدو بأن إدارة أوباما تخشى أن تذهب حكومة نتنياهو بعيدا في انفلاتها الذي يهدد بانفجار غير مرغوب فيه أبدا في منطقة تلتهب بالصراعات وعدم الاستقرار، خاصة عقب إصدارها لقانون "التسوية" و"تبييض المستوطنات". تعززت هذ المخاوف بفعل الإصرار المعلن للرئيس المنتخب؛ دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس. هذه التطورات تهدد سياسة ثابتة للإدارات المتعاقبة، حيث تنظر الولايات المتحدة إلى القضية الفلسطينية كعبء استراتيجي ينبغي تدبره ليتسنى لها معالجة القضايا الأخرى الأكثر أهمية لها في المنطقة.
إن مثل هذه التطورات يمكن أن تفقد واشنطن القدرة على الاستمرار بلعب دور المتفرد بهذا الملف، وسينتقل بالكامل ليد حكومة نتنياهو، وهو ما ينذر بمواجهة مفتوحة وخطيرة في المناطق الفلسطينية المحتلة، وربما أبعد منها. هذا آخر ما تريده واشنطن اليوم. من ناحية ثانية فإن التوجه الأمريكي/الإسرائيلي لمقاربة تسوية الصراع من زاوية عربية؛ أي تسوية الصراع عبر بوابات عربية سيصبح أدراج الرياح إذا ما استمرت الحكومة الإسرائيلية بسياساتها. بهذا المعنى فإن موقف إدارة أوباما هو تمهيد للمعالجة اللاحقة لهذا الملف بحيث تفهم الحكومة الإسرائيلية بأنه ليس بوسعها الانفلات والتفرد، وللإدارة الجديدة بأن عليها أن تحافظ على السياسات الأمريكية لكي لا يفلت هذا الملف من يدها، ولكي يبقى حل الدولتين على قيد الحياة ولو في خيمة أوكسجين. بذلك تسعى أمريكا للإبقاء على الوضع القائم لفتح الباب أمام عودة المفاوضات من جديد. هذا التقدير يظهر في تصريحات "سامانثا باور"؛ سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة التي أكدت عقب صدور القرار بأن هذا الموقف الأمريكي إنما" يشكل استمرارا لسياسات الإدارات المتعاقبة الجمهورية والديمقراطية على السواء منذ عهد رونالد ريغان". وأضافت بأن استمرار الاستيطان الإسرائيلي يهدد أمن "إسرائيل"، ويلحق الأذى بإمكانية التوصل إلى حل متفاوض عليه لتحقيق حل الدولتين". ذات الأمر أكده "بن رودز" مساعد مستشار الأمن القومي الأمريكي الذي قال بأن استمرار الاستيطان الإسرائيلي بنفس الوتيرة يعرض إمكانية التوصل إلى حل الدولتين للخطر".
(3) القرار والموقف الفلسطيني: بوابة العودة للتفاوض
إن صياغة وأهم بنود القرار والتصريحات الفلسطينية التي أعقبته تعزز ما ذهبنا إليه هنا وتظهر بأن المحرك الأول لصدور القرار هو الإبقاء على حل الدولتين باعتباره الخطة الوحيدة، والعودة للمفاوضات المباشرة. في أول تعليق فلسطيني بعد القرار قال صائب عريقات؛ كبير المفاوضين الفلسطينيين/أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن "هذا اليوم هو انتصار للقانون الدولي، وانتصار للغة المتحضرة والتفاوض، ورفض تام لقوى التطرف في "إسرائيل"". ويضيف عريقات حسب ما نشره موقع "الجزيرة نت باللغة الإنجليزية" بأن القرار هو رسالة للمجتمع الإسرائيلي بأن السلام يأتي من خلال إقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع دولة "إسرائيل" على خطوط الرابع من حزيران ١٩٦٧". ويبدو بأن التوافق الفلسطيني الأمريكي على القرار قد حصل أثناء زيارة عريقات، وماجد فرج للولايات المتحدة قبل حوالي الشهر. هذا التوافق يبرز من خلال مراجعة متأنية لديباجة وبنود القرار عبر ثلاثة محاور.
أولا: كيف تعامل القرار مع الاحتلال العسكري ومسألة إنهائه
ينظر القرار ل"إسرائيل" باعتبارها قوة احتلال تقع عليها الالتزامات المترتبة في مثل هذه الحالة كما نصت عليها بنود اتفاقية جنيف الرابعة للعام ١٩٤٩، كما جاء في مقدمته. يضاف إلى ذلك بأن القرار رغم مطالبته الصريحة في الديباجة وفي البندين ٢ و٣ بوقف كل الأنشطة الاستيطانية بما في ذلك في القدس المحتلة، وتفكيك البؤر الاستيطانية التي أقيمت منذ العام ٢٠٠١، إلا أنه لا يرجع إلى مواد اتفاقية جنيف الرابعة التي تعتبر الاستيطان ونقل سكان الدولة المحتلة إلى المناطق الخاضعة لاحتلالها جريمة حرب. يكتفي القرار باعتبار هذه الممارسات "غير سارية قانونيا، كما جاء في البند الأول منه. إن هذه اللغة المختلة تشير بوضوح إلى أن مجلس الأمن الدولي إنما يتناغم أكثر فأكثر مع الإرادة الأمريكية فيما يتعلق بإبقاء مسار التسوية التفاوضية بعيدا عن المنظمات الدولية والقانون الدولي؛ وإلا لماذا لا يدعو القرار صراحة وبلا مواربة إلى ضرورة انسحاب "إسرائيل" من المناطق الفلسطينية المحتلة بعدوان ١٩٦٧. هذا مؤشر على جانب كبير من الأهمية من النواحي القانونية والسياسية. فغياب مثل هذه الصياغة يعني بأن مجلس الأمن لا يتعامل مع الوجود الإسرائيلي في هذه المناطق على أنه برمته غير قانوني، وليس الاستيطان فقط. ففي حالة احتلال "إسرائيل" لمناطق لبنانية في أكثر من مناسبة طالب المجلس وبلغة قاطعة "إسرائيل" بالانسحاب الفوري؛ انظر على سبيل المثال القرارات: 279 و285 لسنة 1970، وقرار ٤٢٥ لسنة ١٩٧٨، وقرار ٥٠٩ لسنة ١٩٨١. بهذه الحالة لا ينظر مجلس الأمن الدولي للوجود الإسرائيلي بذات المنظور القانوني. اللغة المختلة في القرار تبرز كذلك في موضعين: الأول أنه عند الحديث عن المناطق المحتلة يستخدم تعبير "المناطق المحتلة منذ العام ١٩٦٧" (بند ٥)، وعند الحديث عن التسوية يستخدم عبارة "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في العام ١٩٦٧" (بند٩). والقرار بهذا يتناغم مع اللغة المستخدمة في مشروع القرار الفرنسي/الأردني الشهير لإنهاء الاحتلال والذي أسقطته الولايات المتحدة بحق النقض!
ثانيا: المساواة بين المحتل والخاضع للاحتلال
إن أهم ما يميز علاقة الفلسطينيين بقوة الاحتلال/الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي هو التفاوت البنيوي الهائل بين قوة ومقدرات وخيارات الطرفين، وهو ما يعني بالأساس أنه بدون تغيير هذا المعطى ولو نسبيا فإن احتمالات التزام "إسرائيل" بالانسحاب من المناطق المحتلة بعدوان ١٩٦٧ تبقى شبه معدومة. لعل هذه المسألة هي جوهر لجوء الفلسطينيين إلى المنظمات الدولية والمجتمع الدولي بهدف تغيير هذا الواقع. التدخل الدولي، بهذا المعنى ينبغي له أن يكون سندا للفلسطينيين. القرار ٢٣٣٤ تعامل مع الطرفين باعتبارهما متساويين من حيث الالتزامات. فإذا ما نظرنا للقرار باعتباره رزمة واحدة، وهو كذلك من النواحي القانونية والسياسية والدبلوماسية، فإن التفاؤل والاحتفال الفلسطيني بالقرار غير مبرر كون القرار وضع عليهم التزامات محددة بخاصة في المجال الأمني. ورد في ديباجة القرار، والتي تشكل أسانيده، بأن "على السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية أن تحافظ على عمليات أمنية فعالة لمواجهة كل المتورطين في الإرهاب، وأن تفكك القدرات الإرهابية، بما فيها مصادرة السلاح غير القانوني"، وذلك بالإشارة إلى قرارات الرباعية الدولية. دعك من أن مثل هذا المطلب سيزيد من مساحة تصادم السلطة مع المواطنين والقوى السياسية على الساحة الفلسطينية، وسيلعب دورا معرقلا لإنهاء الانقسام، فإنه يقوم على افتراض مبطن بأن "إسرائيل" محقة في اتهاماتها للفلسطينيين بالإرهاب.
علاوة على ذلك تذكر الديباجة بأن مجلس الأمن "يدين كل أعمال العنف ضد المدنيين، بما فيها أعمال الإرهاب، وكل أشكال التحريض والتدمير". ويعود في البند رقم ٧ ليكرر بلغة القانون الدولي مطالبة الطرفين "للالتزام بالقانون الدولي وضبط النفس، والامتناع عن التحريض، وبناء الثقة...". يُعزز القرار هذا المطلب من خلال البند السادس الذي ينص على ضرورة "تقوية الجهود الجارية لمحاربة الإرهاب، بما في ذلك من خلال التنسيق الأمني القائم، وإدانة كل أعمال الإرهاب". من هذه الناحية فإن القرار لا ينحى إلى الحفاظ على وضع قائم في خدمة الاحتلال فحسب، بل يسعى لتعميق حالة التبعية والوظيفة الأمنية للسلطة الفلسطينية في خدمة المصالح الإسرائيلية، والإسهام في حالة اللاتوازن التي تميز علاقة الطرفين لصالح قوة الاحتلال. لا نبالغ إن قلنا بأن القرارات السابقة لمجلس الأمن بهذا الشأن والمشار إليها أعلاه هي أكثر تقدما من قرار ٢٣٣٤ لجهة أنها لم تربط أبدا بين إدانتها للاستيطان وممارسات "إسرائيل" وبين أية مطالب مطروحة على الفلسطينيين، ناهيك عن إلصاق تهمة الإرهاب بهم والتي يتضمنها القرار بصورة مباشرة. لا غرابة إذا أن يبادر وزير الحرب الإسرائيلي لوقف كل الاتصالات واللقاءات مع السلطة الفلسطينية باستثناء التنسيق الأمني.
ثالثا: حل الدولتين والعودة للمفاوضات
إذا كان لنا أن نقدم عنوانا للقرار ٢٣٣٤ فسيكون: محاولة بعث الحياة في حل الدولتين والرجوع لذات النهج التفاوضي الثنائي السابق. إنه المحور الذي يدور حوله القرار في ديباجته وبنوده. ورد ذكر حل الدولتين في ديباجة القرار ٥ مرات، وفي البنود ٥ مرات أخرى، وباستخدام ذات اللغة السائدة في الخطاب السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، والكلمة المفتاح هي "إمكانية حل الدولتين"، وهي ذات العبارات التي استخدمتها سامانثا باور وبين رودز. يظهر المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الديباجة باعتباره يهدد بصورة خطرة إمكانية حل الدولتين "استنادا إلى خطوط ١٩٦٧" وليس على حدود العام ١٩٦٧. هذه الصياغة تترك تعبير "دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة" خارج الصورة تماما، إذ يكتفي القرار بالإشارة إلى "دولتين ديمقراطيتين: "إسرائيل" وفلسطين". وبما أن دولة "إسرائيل" قائمة وذات سيادة فإن النصف الثاني من هذه المعادلة لم يتم تعريف ماهيته، وبما أن التعريف السائد للدولة في المعايير الإسرائيلية والأمريكية هو دولة مفتتة ومنقوصة السيادة فإن مجلس الأمن قد منح فرصة لتثبيت هذا التعريف على المستوى الدولي.
تخلص ديباجة القرار إلى الضرورة الملحة لاتخاذ خطوتين: الأولى هي "إبطال كل الممارسات والأعمال التي تقوض حل الدولتين، والتي تعمق واقع الدولة الواحدة؛ والثاني خلق ظروف ملاءمة لمفاوضات وضع نهائي هدفها دفع هدف الدولتين قدما". إذا فالقرار يمكن أن يفسر من زاوية "حماية أمن دولة "إسرائيل"" كما قالت سامانثا باور، بل وحمايتها كدولة يهودية ما دام هدف المفاوضات خلق واقع جديد يحول دون انبثاق وتعمق واقع يقود حكما وليس بفعل الاختيار لحالة الدولة الواحدة. في هذا السياق فإن الترويج مجددا للمؤتمر الدولي الذي تعتزم فرنسا الدعوة له (بعد عدة تأجيلات) كان بانتظار هذا التأطير الجديد-القديم للعودة للتفاوض، كما ورد في القرار. الخطورة في هذا الشأن هو أن القرار يتحدث عن مفاوضات نهائية في إطار إقليمي شرق أوسطي (البندين ٨ و٩) ويحدد مرجعياتها: قرارات الرباعية الدولية، مرجعية مؤتمر مدريد، قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة (دون تحديدها)، والمبادرة العربية للسلام. ويشير القرار إلى أهمية محاولة إحياء المبادرة العربية التي ترفضها واشنطن وتل أبيب، والمبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام التي ترفضها "إسرائيل" بينما لا تشجعها الولايات المتحدة. فهل يشكل القرار ٢٣٣٤ الأرضية اللازمة لإعادة إنتاج مؤتمر مدريد وإطلاق مفاوضات ثنائية يسقط منها حق العودة، وحق تقرير المصير، ومطلب تفكيك كل البنية الاستعمارية الاستيطانية والعسكرية الإسرائيلية في كل المناطق المحتلة منذ العام ١٩٦٧؛ مفاوضات ربما تفضي للاعتراف ب"إسرائيل" كدولة يهودية مقابل إقامة دولة فلسطينية على أجزاء من هذه المناطق. الأسابيع والأشهر القادمة ستظهر إن كان هذا التقدير في غير محله. 

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى