Menu
الجمعة 24 آذار 2017

«اعدلوا هو أقرب للتقوى»

«اعدلوا هو أقرب للتقوى»
بعد أن فشلت كل محاولات الإصلاح بينهما، وبعد أن باتت الحياة جحيما لا يطاق بين زيد وزوجه، قرر أخيرا اللجوء إلى أخر العلاج ألا وهو الطلاق، لكنه اصطدم بعقبة المهر المؤجل، والتزامات أخرى، فما كان منه إلا اللجوء للكذب على زوجته، وإحضار شهود زور يشهدون لصالحه، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه ظالم لها، خارج عن حد العدل والإنصاف معها.
صُدم عبد الله بما قاله له شريكه (صاحب المال)، حينما أخبره أنه يعمل عنده كموظف براتب شهري، وليس شريكا بجهده، كما اتفقا من قبل، وأخذ يذكره بما اتفقا عليه، فتنكر شريكه لكل ما قاله، وطالبه بوثائق تثبت ذلك أو شهود يشهدون له به، ضاقت الأرض بما رحبت في عين عبد الله، فهو لفرط إحسان ظنه بشريكه، لم يفكر في كتابة ما يوثق اتفاقهما، ولم يحرص على إحضار شهود حين اتفاقهما، ماذا يفعل بعد أن باتت تجارتهما تدر أرباحا كبيرة، وهو لا يأخذ منها إلا راتبا ضئيلا قياسا بتلك الأرباح المتكاثرة؟
غالبا ما يدور الحديث عن العدل في مستواه السياسي، فترى الناس يتحدثون عن ظلم الحكام، ويكثرون من تناول صور الجور والابتعاد عن العدل في الحكم بين الرعية، وهي كثيرة ومتفشية في ظل الأنظمة الاستبدادية الظالمة، لكن قد تجد من ينتقد الحاكم الظالم، وهو واقع في صور كثيرة من الظلم والجور، فالزوج يظلم زوجته، والأب يظلم أولاده، وصاحب العمل يظلم موظفيه وعماله، وهكذا تتكاثر صور الظلم، ما يعني غياب العدل بين الناس.
ولأن النفوس قد يغالبها الهوى، فتميل عن الحق، وتجنح عن العدل، فقد تولى القرآن كشف الستار عن واقعة أتهم فيها يهودي في عصر النبوة بالسرقة، مع أنه برئ ولم يسرق، وإنما السارق رجل أنصاري، فأراد أهل بيته من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبرئ صاحبهم، ويتهم اليهودي، لكن القرآن الذي أنزله الله ليقيم العدل والقسط بين الناس عالج تلك الواقعة بكل شفافية ووضوح، فلا ينبغي اتهام اليهودي البريء لأنه يهودي، وتبرئة المسلم الأنصاري وهو السارق.
نزل قوله تعالى مخاطبا رسوله بأن لا يدافع عن الخائنين، يقول تعالى: } إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً{ (النساء: 105)، وكان من خبر تلك الواقعة أن الرسول برئ الأنصاري السارق، ودافع عنه بناء على ظاهر الأمر، فنهاه عن فعل ذلك بقوله } وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ الله لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً{ .
في سياق آخر ذي صلة تُظهر طبيعة الحوارات الجارية بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، هشاشة التخلق بأخلاق الحوار وآدابه، والتي منها العدل مع المخالف، والتزام الإنصاف في حواره والرد عليه، إذ قلما تجد حوارا يتم في أجواء صحية، يحرص فيها كل طرف على الاستفادة من محاوره، ويكون عادلا في تفهم أقواله، والنظر المتأني في أدلته وحججه، لذلك فإن الحوار سرعان ما يتحول إلى ساحة نزال ومصارعة ومواجهة عنيفة.
من المؤكد أن الحوار وسيلة للتواصل بين الناس، وآلية لامتحان الأفكار واكتشاف مدى صمودها في حلبة النقاش الفكري، فحينما يتحاور المرء مع الآخرين حول فكرة ما، فإنه يمتحن مدى قدرته على إقامة الأدلة والبراهين على صواب فكرته، وثباتها أمام نقد الآخرين، فإذا ما عجز عن ذلك فإن ذلك مدعاة له لمراجعة تلك الأفكار، وإعادة النظر فيها من جديد
حينما تجد من ينتقد قولك، ويوجه إليه نقدا قويا ومتينا، ثم لا تجد في جعبتك ما ترد به على ذلك النقد ردا وافيا، فإن المقام يتطلب منك تقبل ذلك النقد، وتقليب النظر فيه، وشكر صاحبه عليه، حتى وإن جاءك من خصم عنيد لك، لأنه ونقده هدية غالية ساقتها الأقدار لمنفعتك وإفادتك، وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف.
أن تعدل مع مخالفك فذاك خلق كريم حثّ عليه القرآن الكريم، وأرشدك إلى التخلق به حتى مع من تبغضهم، ونهاك وحذرك من أن يحملك بغضك لقوم على عدم العدل معهم، فأنت مأمور بالعدل مع من تكرههم كما أنت مأمور بالعدل مع تحبهم، ولا فرق في تخلقك بالعدل مع من تحب أو من تكره.
لكنك إن تأملت ما يجري بين الناس، وقفت على شواهد كثيرة تبرز مدى ابتعاد غالبهم عن التخلق بذاك الخلق، إذ قلما تجد من يعدل مع من يبغضه ويخاصمه، بل الأدهى أن العدل يغيب عن حوارات الأصدقاء والأصحاب، فإذا ما اختلفا على قضية أو مسألة، تحولا إلى خصمين لدودين، ينهش كل واحد منهما عرض أخيه، ويسارع إلى كشف ما استتر من حاله، وقد كان يعرفه من قبل، لكنه تغاضى عنه في سابق عهده، ثم ها هو يشيعه في الناس، ويزيد عليه كل ما يشفي حقده من الطعن والتشويه والإساءة إلى صديقه.
حينما يلتزم المسلمون بإقامة العدل في سائر شؤون حياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فإن الواحد منهم حينذاك لن يدافع ويخاصم عن أخطاء شيوخه أو أهل بيته، وأقاربه وأصدقائه، ولن يؤازرهم على باطلهم، بل سيقف موقف الحق والعدل، خاصة في الخصومات والنزاعات، لأن قول الله تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{ حاضر على الدوام بين عينيه. 

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى