Menu
الإثننين 24 نيسان 2017

المتخوّفون من التعديلات في تركيا

المتخوّفون من التعديلات في تركيا
د. علي العتوم
 إنَّ القلقين من أي تغيير في الدستور التركي على يد حزب العدالة والتنمية أو أشباههم هم في الحقيقة من رقاق الدين وضعاف الإيمان . هذا في دائرة المحيط الإسلامي عرباً كان أهله أم عجماً . أما في المحيط الآخر الغربي أو الشرقي فهي النزعة الصليبية الموتورة أو النفسية الحاقدة على كل ما يتصل بعقيدة التوحيد . والكل ينظر إلى تركيا الساعية إلى إعادة مجدها على يد حزبها المشار إليه من خلال التاريخ الماضي لهذه الأمة .
 وإنَّ خشية الشعوب الوثنية في مطالع الشمس من بوذيين وهندوس أو مغايبها من طوطميين وصنميين وارتعاب شعوب الغرب من نصارى ويهود من هذه الظاهرة التي تجري في تركيا منذ ما بعد أتاتورك وحتى الساعة وستبقى , أمر مفهوم وعندهم – حسب أفكارهم – ما يسوِّغه لأن كل هؤلاء يُنكرون , ولا يكادون يطيقون أنْ يروا هذه المبادئ التي تنبثق من الديانة الخاتمة تسود في تركيا , وهم قد بلوا منها على يد الأتراك وخاصة دول الغرب وشعوبه الأمرَّين حرباً منهم لهؤلاء على تجبُّرهم وظلمهم ومفاسدهم .
 أجل , إذا كان هذا مفهوماً عند هؤلاء , فإنه لأول وهلة ولاسيما إذا أخذنا الأمور بظواهرها دون أن نقرأ ما وراء السطور , فإنّ الأمر يبدو غير مفهوم عند الكثيرين من قطاعات الشعبين العربي والتركي ولاسيما في أوساط مَنْ يُسمون بالنُّخب . غير أنه وبشيء قليل من التدقيق في المسألة يتَضح الأمر وينكشف المستور .
 إن الحقيقة أنَّ الذين يعارضون بشدة الإصلاحات في تركيا وخاصة ما جرى الاستفتاء عليه يوم الأحد (16/4/2017م) والتي يسعى بها زعماؤها لإعادة مجدها انطلاقاً من مبادئ إلهية ولو بغير إعلان على الدوام أو تصريح هم في القبيلين : الأتراك والعرب تلامذة أتاتورك صنيعة الغرب والصهيونية الذي جرى الاتفاق معه في أعقاب الحرب العالمية الأولى لقاء مكاسب قومية خادعة أن يمحو الإسلام من تركيا محواً , فيهدم الخلافة ويُلغي السلطنة ويُحرِّم العربية . وهؤلاء في الطرفين هم القوميون على مختلف تسمياتهم واليساريون على متنوّع ألقابهم , أي الذين ينفرون من الدين نفرة الأحمرة من القسورة !!
 إنهم جميعاً صنائع الغرب أعداء العروبة والإسلام وإنهم كلهم الذين تأثّروا بالنزعات العنصرية التي سادت في أوروبا إبّان القرن التاسع عشر والتي كانت مع الحركة الماسونية وراء بثِّ نزعة الحقد ما بين العرب والأتراك وكُره الدين وإسقاطه من حساب الواقع . أما العنصرية فقد أدّت أن يُرفع في تركيا شعار : جنكيز خان أفضل من محمد , وعند العرب من يُعلن إثر هزيمة 1967م في وسائل الإعلام في بعض الدول القومية أنّ الله ومحمداً والإسلام دُمىً مُحنَّطة في متاحف التاريخ , وأنّ اللغة العربية سبب هذه الهزائم المُنكرة !! وإذا كانت القومية العربية أدّت إلى اعتراف العرب لليهود باغتصاب فلسطين , فالماسونية أدت بهم وبأتباعهم إلى احتقار الدين الإسلامي واسقاطه من نظام الحكم .
 وإذا كان بعض القوميين العرب حاربوا تركيا العثمانية والخلافة وعدّوها مستعمِرة فقد وقعوا هم إثر حربها , بل أثناءها فرائس الاستعمار الغربي بشتى أصنافه رغم أنوفهم , فقسَّم بلادهم شذر مذر واليوم يسعى أبناء أولئك أنفسهم أن يعيدوا التقسيم مرة أخرى فيجزِّؤا المُجزّأ حتى لا تقوم للعرب قائمة . وإذا كان الأتراك المسلمون لم يفرّطوا بذرة تراب من فلسطين فإنّ العرب وحسب مبادرتهم الأخيرة موافقون جميعاً على الاعتراف لليهود باغتصابهم , وإذا كان القوميون الأتراك يتباكون على أتاتورك , فليعلموا أنه وهو على فراش الموت دعا السفير الإنجليزي في العراق ليُسلِّمه بنفسه حكم تركيا كلها .
 إنها المصيدة التي نصبتها أمم الغرب للعرب وللأتراك معاً , فنادى الشعبان بالعنصرية ضد بعضهم بعضاً ودعوا جميعاً لحرب الدين وإخراجه من حيِّز التطبيق مع أنه السبب الأول في عِزّ الطرفين العرب والأتراك وزعامتهم . نعم المصيدة , بل المشنقة التي نصبها الصليبيون والماسونيون الصهيانة للجانبين فسقطوا فيها أو دُقَّتْ أعناقهم في حبالها , وهم يظنون أنهم يسيرون في الطريق القاصدة . وصدق الله : (قُل : هل ننبئُكم بالأخسرينَ أعمالاً الذينَ ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا , وهم يحسبون أنهم يُحسنونَ صُنْعاً) !!
إنها الأحزاب نفسها التي تكوّنت عند الطرفين للغرض اللئيم عينه . ففي تركيا حزب الاتحاد والترقي الماسوني اليهودي وتركيا الفتاة من أشياع الاتحاد والترقّي ووريثتهما اليوم الأحزاب القومية فيها التي تدافع عن أتاتورك وطاغوتيته . وفي بلاد العرب : حزب العربية الفتاة المدعوم من فرنسا والعهد والوطن الذي كان يتزعّمه أتاتورك ذاته في بلادنا , وكلها تدعو إلى القومية العربية الخاسرة التي قتل زعماؤها بالأمس واليوم شعوبهم وباعوهم للغرباء والكُفّار بثمنٍ بخسٍ . يستبيحون ديارهم ويقتلون أبناءهم !!
وإنني لأقول بوصفي عربياً أعتز بعروبتي : إنّ العرب دون الإسلام يُحكِّمونه في شؤونهم لا يساوون في وزن الحق والواقع شيئاً , إنما هم أذلاّء عاشوا قبل الإسلام تحت أرجل الفُرس والروم وهاهم اليوم بعد أن تركوا دينهم نهجاً ونظام حياة يعيشون تحت أرجل الروس والأمريكان معاً . وأقول كذلك للأتراك : إنّ التاريخ العظيم الذي كان لتركيا يوماً وفتحت فيه اسطنبول ليس إلاّ بالإسلام وبالإسلام وحده , وأنّ الكلام نفسه موجَّه للعرب والأكراد , إذ إذا لم تحترموا الإسلام رابطة جامعة بينكم , فلستم في الحقيقة تنتمون إلى هذه الأمة الكريمة لا عرباً ولا تُركاً ولا أكراداً , بل أنتم شتيت تائه في مهبّ الريح .
وإنني لأقول للعرب خاصة زعماء وأحزاباً دنيوية : إذا كنتم تغمزون بتركيا وحاكمها وحزبها وتلمزون بهم وأنهم يسعون للتسلُّط ويتلاعبون بالانتخابات , أجل أقول لكم بالمقابل : أين ديموقراطيتكم التي تتشدّقون بها , وأين شفافيتكم في صناديق الاقتراع التي تشهد بتزويركم الشاهر وتلاعباتكم المفضوحة وانقلاباتكم الباطشة على نتائجها الشفافة النزيهة ؟! وإذا كان الأتراك باستفتائهم قد نجحوا بحصولهم على (51.4) فإن استفتاءاتكم التي تعودناها كانت لا تقبل – كذباً وتزويراً – إلا بنسبة (99.9) . إن الأتراك نهضوا ببلدهم ولم يَمُدَّ حكامهم أيديهم إلى أموال شعوبهم فيختلسوها , وأنهم شعبٌ يقبل بنتائج الصناديق ويرفض الثورة على الحكم الشرعي وأنتم تنقلبون على كل ذلك , وقد جاء أردوغان وحزبه بعدل واستفتاء واقتراع بينما جئتم أنتم بانقلاباتٍ عسكرية وبالسوط والمِقرعة والحديد والنار كمن جاء من قبل أردوغان عندكم ممن كان يحكم تركيا قبله حتى إن أتاتورك جاء بعدّة إنقلابات وقحة ولئيمة , وأنّ أردوغان محا مديونية بلاده وغدا من الداعمين لصندوق النقد الدولي , وأنتم تحمّلون بلادكم مديونيات بالمليارات نتيجة اختلاس أموال رعاياكم , بل اختطاف الفلس من يد الفقير فيهم وسلب اللقمة من فم المسكين , وأنتم لا يتورّع كباركم من اختلاس أموال رعاياهم بل اختطاف الفلس من يد الفقير وسلب اللقمة من فم المسكين . ومع كل ما يجري وما يلمز أو يهمز هنا وهناك وخاصة ممن يقف مُشاقاً للحق ولله ولرسوله من عرب وأتراك , أقول لهم : أريحوا أنفسكم من عنائها , فهذه الأمة في الحقيقة وفي النهاية لن تقبل إلا بالإسلام , ولن تنجح إلا به , وهو قادم لا محالة فأريحوا أنتم وسادتكم من زعماء الدول أو المعارضة من الكيد ضدّه فَـ (لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ , ويومئذٍ يفرحُ المؤمنونَ بنصر الله , ينصرُ من يشاء وهو العزيز الرحيم) . 

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى