Menu
الإثننين 24 نيسان 2017

هل عزز الاستفتاء الاستقرار والاستقلال في تركيا؟

هل عزز الاستفتاء الاستقرار والاستقلال في تركيا؟
حازم عياد
51% أجابوا بنعم للتعديلات الدستورية في تركيا ونسبة المشاركة بلغت 85% من أصل 74 مليون تركي؛ في حين كانت نتائج الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي 51.9% ونسبة المشاركة 72% من أصل 66 مليون بريطاني؛ فالفارق بين الفائزين والخاسرين في البريكست كانت 82 ألف صوت فقط في حين أن الفارق في الاستفتاء التركي بين من قالوا (نعم) ومن قالوا (لا) بلغت (مليون صوت) لصالح التعديل الدستوري؛ ورغم ذلك احترم البريطانيون في النهاية إرادة من قالوا نعم للخروج بغض النظر عن الفارق البسيط.
المقارنة تأخذ منحى أكثر إثارة إذا علمنا أن اسطنبول وأنقرة صوتت (ضد) الاستفتاء بنسبة بلغت 52% في حين صوتت لندن (ضد) الخروج بنسبة 60% تشابه يعبر عن طبيعة القضايا المستفتى عليها وعمق تأثيرها في بناء وتدوير النخب السياسية التقليدية في المراكز؛ مقارنة تقدم لنا نموذجا يعطي الاستفتاء مزيدا من المصداقية فالمدن الكبرى عادة ما تكون أكثر تحفظا على التغيير من الهوامش والمقاطعات التي ترغب بتطوير للنظام متجاوزة رغبات السلطات في المراكز على أمل تجديد (النخب العميقة) الكامنة بمفاصل والمتمرسة بمؤسسات الدولة والثقافة مجددة شباب وحيوية الدولة ثقافيا وسياسيا.
تركيا وضعت نفسها في مصاف الدول الديمقراطية الكبرى التي تحترم نتائج الاستفتاء فيها وتحترم إرادة الشعب حتى لو كانت النتيجة بفارق 80 ألف صوت فكيف الحال بمليون صوت كما في تركيا؛ أما عن الآليات فحدث ولا حرج فهيلاري كلينتون حصلت في الانتخابات الأمريكية على عدد اكبر من أصوات الأمريكيين ولكن النظام الانتخابي لرئيس الجمهورية ليس استفتاء بل تصويتا على أساس المقاطعات والتمثيل النسبي؛ أمر احترمته كافة المؤسسات السيادية في البلاد وبات حقيقة على العالم الخارجي أن يتعامل معها وتقبلها؛ تجاوزت تركيا حقبة المقارنة مع النظم الشمولية والنامية، إذ تتطلب المقارنة إلا أن البحث في تفاصيل النظم الديمقراطية الغربية والمستقلة لا بالفروق التي تميزها عن الدول الاستبدادية والمتخلفة اقتصاديا؛ التي لا تعرف طريقا لانتخابات برلمانية أو رئاسية أو استفتاءات على القضايا الكبرى.
تركيا بات حالها كحال بريطانيا وايطاليا؛ إذ واجهت حملات دولية وإقليمية مرعبة واختبارات صعبة نقلتها الى مصاف الدول الديمقراطية؛ فالشعب الايطالي لم يعبأ بتفصيلات ألمانيا تجاه الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي استحسنتها برلين واستاءت من تصويت الايطاليين بلا عليها كما استاءت من نعم لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ففي ايطاليا صوت 57% من أصل 59 مليون ايطالي 54% قالوا لا للتعديلات الدستورية ليستقيل رئيس الوزراء رنزيني للتعديل كما استقال كاميرون في بريطانيا لدعمه البقاء في الاتحاد الأوروبي؛ فالشعوب لا تجامل أحدا سواء كان رئيسا للدولة أو كان قوة اقتصادية جبارة كألمانيا في أوروبا.
هكذا حددت الشعوب مصائرها بصناديق الاقتراع وآليات الاستفتاء على القضايا الكبرى هذا ما حدث في تركيا يوم أول أمس الأحد 16 نيسان؛ إذ أكدت استقلالها بآلية ديمقراطية وليس من خلال حرب أو ثورة دولة تحترم إرادة شعبها ولا تعمل وفق أهواء حلفائها وأصدقائها أو أعدائها من القوى الدولية؛ فإرادة الشعب تحترم والقادة السياسيون جزء من الشعب والثقافة المعبرة عنه بما يملكونه من رؤى يستفتون شعوبهم عليها؛ بعيدا عن أهواء ورغبات القوى الدولية وميولها وتفضيلاتها.
استقلال مثل زلزلا كبيرا فرغم الجهود التي بذلت لإعاقة الحملات التي قادتها الحكومة التركية في القارة الأوروبية حصلت التعديلات الدستورية على 62% من أصوات الأتراك في ألمانيا وبنسبة مشاركة بلغت 48% في كامل القارة الأوروبية؛ ورغم كل محاولات الإعاقة التي واجهها المهاجرون الأتراك فأنهم انضموا الى الاستفتاء وعبروا عن آرائهم كمؤشر قوي على ثقة الأتراك ببلادهم ومستقبلها.
مفارقة كشفت عن طبيعة المواقف الأوروبية وازدواجيتها؛ فالموقف الألماني من التطورات الحاصلة في تركيا والاستفتاء تصدر المشهد طوال الأشهر الماضية؛ وبرزت بشكل واضح في تباينت مواقف المسؤولين الألمان مواقفهم من التعديلات الدستورية في ايطاليا عن نظيرتها تركيا رغم تشابه المسار والمضمون.
فتعليقا على نتائج الاستفتاء في ايطاليا قال وزير الخارجية الألماني السابق شتانماير «إن فوز رافضي الاستفتاء في ايطاليا رسائل غير ايجابية لأوروبا» علما بأن الاستفتاء يضعف صلاحيات الكونغرس الايطالي ويقرب ايطاليا من الحكم الجمهوري بإلغاء الأقاليم وإضعاف سلطة البرلمان لصالح الرئيس؛ قابل ذلك تعليق وزير الخارجية الألماني الحالي زيغمار غابريل على نتائج استفتاء تركيا بإعرابه عن شعوره بالارتياح لانتهاء «المعركة الانتخابية المريرة».
أما الزعيم السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي فقال «بغض النظر عما يسفر عنه تصويت الشعب التركي في النهاية، فإنه يحسن بنا الآن أن نحافظ على هدوءنا وأن نتصرف بتعقل»؛ وطالبت نائب رئيس البرلمان الألماني كلوديا روت في أعقاب الاستفتاء، بتغيير مصيري في العلاقات الألمانية التركية؛ فوقع الاستفتاء التركي مختلف تماما عن وقع نتائجه في ايطاليا رغم تشابه القضايا المستفتى عليها وتقاربها؛ فألمانيا كانت سعيدة بالتعديلات الدستورية في ايطاليا التي لم تحظ بفرصة النجاح في حين كانت تقف موقفا سلبيا من التعديلات في تركيا؛ علما بأن التعديلات تعطي صلاحيات جديدة لرئيس الجمهورية سواء في ايطاليا أو تركيا.
نتائج الاستفتاء كانت نكسة للقوى الانعزالية والانفصالية في تركيا في حين مثلت خسارة الاستفتاء في إيطاليا سببا لاحتفاء اليمين الإيطالي المتطرف صاحب النزعة الانفصالية الانعزالية؛ ففي ايطاليا احتفى اليمين بنتائج الاستفتاء الذي تم على وقع الانقسام في الحزب الديمقراطي الحاكم، فـ»حزب النجوم الخمس «الايطالي اليميني و»رابطة الشمال لمناهضة الهجرة» احتفت بفشل الاستفتاء على تدعيم صلاحيات الرئيس وإنهاء سياسة الأقاليم شبه الفدرالية في ايطاليا حالها كحال حزب الشعوب الديمقراطي الكردي أو ما بقي منه؛ والذي عارض التعديلات الدستورية وسعى لتقويضها خصوصا في أوروبا لتبقى تركيا دولة مهزوزة وضعيفة مهيأة لمزيد من الانقسام والتشظي على وقع الحكومات الائتلافية ؛ع دولة ابعد ما تكون عن الاستقرار السياسي تديرها حكومات ائتلافية ضعيفة ومساومات متواصلة تمس سيادة الدولة وقيمها الأساسية لصالح قوى متناحرة سياسيا الى حد المساومة على وحدة البلاد ووجودها في بعض الأحيان.
أما الفصل الأخير فيعبر عنه في العالم العربي من خلال حالة الاستياء لدى العديد من التيارات والاتجاهات بل والدول التي ترى في التعديلات الدستورية مؤشرا سلبيا بالنسبة لمستقبلها السياسي؛ في ظل التطور الديمقراطي وتطور الاتجاهات السياسية في المنطقة والتي تؤكد على ضرورة احترام لإرادة الشعوب وتعزيز استقلالها واستقرارها ؛ فعجلة التغير والتطور لم تتوقف في المنطقة بعد ولم تحسم أيضا؛ ليبقى خيار الاحتكام لإرادة الشعوب ونبذ الاستبداد والفوقية النخبوية المتكلسة للنخب العميقة متاحا وممكنا.
 مسالة لا تتوافق مع أهواء الكثيرين ممن يعتبرون الشعوب قاصرة؛ فالاستفتاء في تركيا عزز الاستقرار وعزز مكانة تركيا في العالم كدولة مستقلة باحتكامها الى إرادة الشعب التركي أسوة بالدول المتقدمة التي تحترم شعوبها؛ أمر عبر عنه الرئيس التركي بالقول انه الاستقلال الثاني لتركيا.

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى