Menu
الأحد 22 كانون الثاني 2017

لا كرامة لمخالف

لا كرامة لمخالف
فهمي هويدي
غاية ما يمكن أن يقال عن الدكتور محمد البرادعي أنه اختلف فاستقال ثم غادر واعتكف. وظل نشاطه «السياسي» طوال السنوات الثلاث الماضية مقصورا على التغريدات التي كان يدونها بين الحين والآخر، ثم قرر أخيرا أن يتكلم مستعرضا مسيرته وعارضا تجربته. في تغريداته، فإن الرجل كان ناقدا ومتحفظا حقا، لكنه ظل مهذبا وعف اللسان، إذ احترم نفسه وغيره فلم يتعرض لأشخاص ولم يحرج أحدا ولم يوجه اتهاما. في حين ظل ملتزما بدق الأجراس والتحذير من مواضع الذلل. ولأن تلك كانت حدوده طول الوقت، فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه انخرط في أي تجمع معارض رغم أن الفضاء الخارجي يتحمل ذلك ويحميه، ولا يجرؤ أحد أن يزعم أنه صار خائنا أو عميلا أو إرهابيا.
لأن الأمر كذلك، فإن المرء لابد أن يستغرب الحملة الإعلامية الشرسة التي شنت ضده في مصر حين تكلم أخيرا، (يوم السبت الماضي ٧/١) في أولى حلقات الحوار الذي أجرته معه قناة «العربي» اللندنية، ولم يكن هناك من تفسير لتلك الحملة إلا أن جهة ما أفزعها ظهوره في السنة السابقة على الانتخابات الرئاسية، فقررت اغتياله أدبيا وسياسيا. وبدا الفزع مثيرا للدهشة كما أن التعبير عنه بدا أكثر إدهاشا. إذ كان مستغربا أن تهتز أركان الدولة لمجرد ظهور الرجل على شاشة التليفزيون رغم أن سقف كلامه معروف وحدوده متواضعة، فضلا عن أن لغته في التعبير تتسم بالرصانة والمسؤولية، وهو ما يفترض أن يقابل بهدوء وثقة من جانب أجهزة الدولة على الأقل.
تضاعفت الدهشة حين لاحظنا أن السلطة لم تكن مضطرة للرد عليه، خصوصا في الحلقات التي يتحدث فيها عن سيرته الشخصية. ثم إنها حين تسرعت في الرد من خلال أبواقها التليفزيونية فإنها لم تسع إلى هدم أفكاره أو نقضها، وإنما استهدفت هدم الشخص وتجريحه، من خلال «الردح» الذي لا يليق لا بدولة محترمة ولا بإعلام محترم، حتى إن بعض المحسوبين على السلطة اتهموه بالخيانة، وطالبوا بإسقاط الجنسية عنه، وسحب قلادة النيل التي منحت له بعد فوزه بجائزة «نوبل».
لازمتنا الدهشة المضاعفة حين وجدنا أن وسيلة التصدي تمثلت في بث تسجيلات له، تضمنت خليطا من الثرثرة السياسية، والغمز من جانبه في الأشخاص المحيطين به. وهو ما اعتبر محاولة لفضحه والوقيعة بينه وبين أولئك الأشخاص، وحكاية التسجيلات هذه تحتمل كلاما كثيرا يسيء إلى السلطة بأكثر مما يسيء إلى الدكتور البرادعي. وإذا لاحظت أن أحدها كان لحوار مع رئيس الأركان بالقوات المسلحة، فستدرك أن العملية كانت تصرفا غير مشروع، أريد به تحقيق هدف غير مشروع. ناهيك عن أن العملية جاءت إعلانا عن أن كل مشتغل بالشأن العام مهما كان مقامه، يجري التسجيل له لاستخدام الأشرطة ضده عند اللزوم. وهذا التسجيل هو سلاح لفضح الشخص، واستباحة خصوصياته وعرضه إذا رفع عنه الرضا لأي سبب.
لا أبالغ إذا قلت إن الحلقة الأولى كانت لصالح الدكتور البرادعي، وليست ضده. ذلك أن الرد التليفزيوني المصري أعاده إلى الواجهة مرة أخرى، بعدما كاد الناس ينسونه، ثم إنها كشفت هشاشة وضعف الأجهزة المصرية التي ارتعشت لمجرد ظهور الرجل مجددا على شاشة التليفزيون. ولا سبيل لإنكار دور تلك الأجهزة فيما جرى. فوحدها هي التي تستطيع تسجيل الاتصالات الهاتفية، ولا أحد غيرها سلم الأشرطة وقرر عرضها على الرأي العام. إلى جانب ذلك فإن البث وجه في مستهل السنة الجديدة رسالة تهديد للناقدين والمعارضين في الداخل، خلاصتها أنه لا كرامة لأي مختلف ولا حدود لتصفية الحساب معه حيث يمثل الاغتيال المعنوي والسياسي حدها الأدنى. وأرجوك لا تسألني عن الحد الأقصى.

إضافة تعليق

0
  • لا توجد تعليقات
عد إلى الأعلى