Menu
الثلاثاء 21 شباط 2017

التحولات في السياسة الخارجية التركية

بكر البدور
تشكل تركيا إحدى أبرز القوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط ولذلك فإن السياسة الخارجية التي تسلكها تؤثر بشكل مباشر على دول الإقليم بما فيها الدول العربية كما تؤثر على مختلف قضايا وملفات الإقليم وقد غلب على السياسة الخارجية التركية قبل مطلع الألفية الثانية التساوق مع السياسات الغربية في الإقليم والعالم، وتجاهل البعدين العربي والإسلامي، وتراجع دور تركيا الإقليمي إلا أن هذه السياسة شهدت منذ حكم حزب العدالة والتنمية عام 2002 تحولات كبيرة أعادت صياغة منطلقاتها الأساسية، وسعت إلى لعب دور جديد فاعل ومؤثر لتركيا خاصة في محيطها الإقليمي، وقد تمثلت هذه التحولات بنظرية حزب العدالة والتنمية التي قعد لمبادئها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو في اتجاهات ست هي: التوازن السليم بين الحرية والأمن، وتصفير المشكلات مع دول الجوار، والتأثير الإقليمي، والالتفات للبعدين العربي والإسلامي؛ ولذلك أحدثت تركيا خلال حكم حزب العدالة والتنمية تغيرات في سياستها الخارجية والدور الذي تقوم به، فشرعت بالعمل على تطوير علاقاتها مع دول الجوار، خاصة العربية منها، وعملت على بناء نموذج للتكامل الإقليمي، وقد تجلى ذلك النشاط الملفت للسياسة التركية في الفترة 2000 إلى 2011 مع الدول الإقليمية الرئيسة بما فيها سوريا، وسعت تركيا من وراء هذا النشاط لإحداث تغيير في سياسة الأمر الواقع القائمة في الإقليم، وتشكيل حالة جديدة تنطوي على رؤية تنطلق من أرضية مشتركة.
غير أن السياسة الخارجية التركية واجهت منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011 جملةً من العقبات التي جلبتها أحداث الإقليم إلى جانب الحالة الداخلية، الناجمة عن انهيار عملية السلام مع الأكراد، وتصاعد عملياتهم ضد الجيش والمنشآت التركية، كما أفضت ثورات الربيع العربي إلى تغيرات هامة تخطت تداعياتها المحيط الإقليمي إلى بقاع مختلفة من العالم. ومن الطبيعي أن تكون تركيا هي الدولة الأكثر عرضةً بحكم الموقع الجغرافي.
ومن المؤكد أن الانتفاضات العربية حملت لتركيا فرص وتحديات في الوقت ذاته، وقد ساندت تركيا بداية الحراك المطالب الشعبية في أغلب دول الثورات العربية، وشاركت بفاعلية خاصة في الحملات الدبلوماسية الهادفة إلى الإصلاح في سوريا، إلا أن سياسات القوى الإقليمية والدولية وبعض المواقف التركية قادت إلى عدم تمكن تركيا من لعب دور فاعل بصورة مستمرة تواكب تحولات الربيع العربي وما تلاه، وما نتج عنه من مؤثرات ليعرف الدور التركي في حالةً من الصعود الوقتي بعد نجاح الثورات التونسية والمصرية، ولاحت في أفقها فرص تبني نموذج حزب العدالة والتنمية في الحكم، وتعززت هذه الفرص بصعود الحركات الإسلامية السياسية إلى سدة الحكم في دول الربيع العربي فيما عرف بالمرحلة الانتقالية.
وقد قادت التدخلات الإقليمية والدولية وخاصة في الحالتين السورية والعراقية بالإضافة إلى اليمنية إلى جانب تعثّر مسار التحول الديمقراطي في دول الثورات العربية، وصعود الثورات المضادة وسيطرتها على الحكم منذ صيف عام 2013 أعادت الأوضاع السياسية العربية من مسار التحول الديمقراطي الى حالة من النازعات المسلحة وعودة الجيوش للهيمنة على الحياة العامة مجددًا.
قد تباينت المواقف بين تركيا وحلفائها التاريخيين، خاصة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي من الأزمة السورية، والانقلاب العسكري في مصر، إلى جانب القضية الفلسطينية في على وقع قطيعة غير مسبوقة بين تركيا وإسرائيل ترتبت على حادثة أسطول الحرية التي شهدت مقتل عشرة مواطنين أتراك على متن السفينة التركية مرمرة عام 2010، وقد تباين الموقف التركي مع مواقف دولٍ خليجية من الثورات العربية والحركات الإسلامية السياسية.
وفيما يخص العلاقات التركية الروسية التي كانت تتميز بأنها متقدمة وواعدة، خاصة فيما يتعلق بالتقدير الشخصي المتبادل بين كلٍّ من الرئيسيْن بوتين وأردوغان، غير أن التدخل العسكري الروسي في سوريا لصالح النظام وإسقاط مقاتلات تركية لطائرة سوخوي 24 روسية كانت تحلق فوق الحدود التركية السورية في 24 كانون الثاني 2015 أدى إلى تدهور ساخن مؤقت في العلاقات بين البلدين على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية
وانعكس توتر العلاقات التركية مع كل من إيران وروسيا على حجم التبادل التجاري مع أكبر شريكيْن إقليمييْن لتركيا؛ حيث تراجع حجم التبادل التجاري مع إيران من نحو 22 مليار دولار عام 2012 بلغت الصادرات التركية منه نحو 10 مليارات دولار، ليتراجع في عام 2015 إلى حوالي 10 مليارات دولار حيث لم تتجاوز الصادرات التركية إلى إيران 3.7 مليارات دولار، وفيما يتعلق بحجم التبادل التجاري بين تركيا وروسيا فقد وصل في عام 2012 إلى 32.2 مليار.
وقد ترتب على تراجع دور تركيا الإقليمي تعالي الدعوات التركية إلى ضرورة إحداث تحولات في السياسة الخارجية التركية نحو آليات أكثر وواقعية وانسجامًا مع المصالح الوطنية التركية.
وفي ضوء هذه الدعوات والمراجعات الأولية للسياسة الخارجية التركية تعرضت البلاد لمحاولة انقلاب عسكري فاشلة في 15/7/2016، وقد نجحت تركيا بأحزابها وشرطتها وشعبها بقوة في إفشال المحاولة والتي شكلت نقطة تحول خطرة في مسار الأوضاع في تركيا ودور جيشها في حماية الحكم والبلاد. وقد أكدت الحكومة التركية أن الذي يقف خلف هذه المحاولة ومن خطط لها هو زعيم ما يعرف تركيا بحركة الخدمة التركية فتح الله غولن المقيم في بنسلفينيا في الولايات المتحدة الأمريكية. ويشار إلى أن الحكومة التركية كانت قد دخلت في مواجهة سياسية وقانونية وإعلامية مع هذه الحركة منذ عام 2012، حيث قامت بعملية تطهير لجهاز الشرطة من أنصار هذه الحركة.
وأشارت تقديرات أولية إلى أن هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة مثلت بالأساس انقلاباً من قِبَل مجموعة في الجيش على الجيش نفسه أكثر من كونها انقلابًا على السلطة السياسية، وأن الإعداد له ربما استغرق عدة سنوات من التخطيط؛ مما يعكس حالة «تسلل سياسي إلى الجيش، وخللاً في حالة الضبط داخل صفوفه، وتراجعاً في مستوى الثقة بين قياداته، وقد أدى عدم تورط عدد من القادة العسكريين الكبار في محاولة الانقلاب، وفشل الانقلابيين في السيطرة على أنظمة الاتصالات، ووجود قوات الأمن واستقلالها وتحركها ضد محاولة الانقلاب، إضافة إلى التحرك الشعبي، وتوحد الأحزاب السياسية في موقف واحد ضد الانقلاب أدى إلى إفشال تلك المحاولة.
ولقد اتاحت المحاولة الانقلابية الفاشلة للحكومة التركية ورئاسة الجمهورية إعادة ضبط المؤسسة العسكرية، ورسم دور جديد لها بعيدًا عن الحالة المعهودة في التدخل الكبير في الحياة السياسية وإجراء مراجعات استراتيجية كبيرة وواسعة؛ نظرًا لما ووضعته امام الدولة التركية من تحديات تتطلب إعادة بناء الحالة الوطنية، وإيجاد صيغة جديدة قادرة على مواجهة التحديات، واستثمار الفرص التي تواجهها البلاد على المستوين الداخلي والخارجي.
وذلك في ضوء ارتباط السياسات الداخلية والخارجية في سياسات الدول، ولذلك فقد سرّعت محاولة الانقلاب عملية المراجعات التي كانت تخضع لها السياسة الخارجية التركية من قبل، حيث اجتمعت الأحزاب الثلاثة الرئيسية في البلاد وهي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري والحركة القومية مع رئيس الدولة لأول مرة للتوافق على الخطوات المطلوبة لتجاوز التحديات التي تواجه تركيا على المستوى الداخلي والخارجي. وبذلك تكون الجماعة الوطنية التركية قد التأمت على أثر الانقلاب حول الأهداف الوطنية الجامعة والمصالح العليا لتركيا. 

إضافة تعليق

0
  • أنا إبن جلا وطلاع الثنايا

    تبليغ

    يا بكر البدور قم بعملية مراجعة لكتابتك السابقة ستجد أنك كنت تناقض نفسك بنفسك وهذا يدل على أنك كنت تأتي بالجمل كل من مكان وأعطيك مثال عد النقاط لداوود أغلو الست التي ذكرتها فهي ليست ست وهي نفسها نفسها أنت كررتها وقلت أنها نظرية والصحيح توجهات ، كما أنكلت قلت بأن حزب العدالة أخذ بتركيا للتقدم كما فهم منك وقلت بأن الحزب تسلم السقلطة عام 2002م وعدت وقلت بأن التطور في تركيا بدأ من عام 2000م ، لذا كلها متناقضة لأنك تعتمد النقل وليس الصياغة من فكرك بناء على المعطيات المتوفرة ، فأنت ترى كلمات رنانة من مثل كلمة نظرية وتصفير والتوازن السليم بين الحرية والأمن في كتابتك هنا وفي كتابتك السابقة مثل كلمة الكمالية عن كمال أتاتورك ....الخ . كما أن عنوان مقالتك هنا يخالف ما كتبت فلم تشر للتحولات وأسبابها ، أنصحك بعدم النقل وأتبع البناء الفكري المستقل .

عد إلى الأعلى